البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٥ - * ذكر منشأ عيسى بن مريم (عليهما السلام) و مرباه في صغره و صباه و بيان بدء الوحي اليه من اللَّه تعالى
مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ و قال تعالى فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً
* ذكر منشأ عيسى بن مريم (عليهما السلام) و مرباه في صغره و صباه و بيان بدء الوحي اليه من اللَّه تعالى
قد تقدم أنه ولد ببيت لحم قريبا من بيت المقدس و زعم وهب بن منبه أنه ولد بمصر و ان مريم سافرت هي و يوسف بن يعقوب النجار و هي راكبة على حمار ليس بينهما و بين الاكاف شيء و هذا لا يصح و الحديث الّذي تقدم ذكره دليل على أن مولده كان ببيت لحم كما ذكرنا و مهما عارضه فباطل و ذكر وهب بن منبه أنه لما ولد خرت الأصنام يومئذ في مشارق الأرض و مغاربها و ان الشياطين حارت في سبب ذلك حتى كشف لهم إبليس الكبير أمر عيسى فوجدوه في حجر أمه و الملائكة محدقة به و انه ظهر نجم عظيم في السماء و أن ملك الفرس أشفق من ظهوره فسأل الكهنة عن ذلك فقالوا هذا لمولد عظيم في الأرض فبعث رسله و معهم ذهب و مرولبان هدية الى عيسى فلما قدموا الشام سألهم ملكها عما أقدمهم فذكروا له ذلك فسأل عن ذلك الوقت فإذا قد ولد فيه عيسى بن مريم ببيت المقدس و اشتهر أمره بسبب كلامه في المهد فأرسلهم اليه بما معهم و أرسل معهم من يعرفه له ليتوصل الى قتله إذا انصرفوا عنه فلما وصلوا الى مريم بالهدايا و رجعوا قيل لها ان رسل ملك الشام انما جاءوا ليقتلوا ولدك فاحتملته فذهبت به الى مصر فأقامت به حتى بلغ عمره اثنتي عشرة سنة و ظهرت عليه كرامات و معجزات في حال صغره* فذكر منها أن الدهقان الّذي نزلوا عنده افتقد مالا من داره و كانت داره لا يسكنها الا الفقراء و الضعفاء و المحاويج فلم يدر من أخذ و عز ذلك على مريم (عليها السلام) و شق على الناس و على رب المنزل و أعياهم أمرها فلما رأى عيسى (عليه السلام) ذلك عمد الى رجل أعمى و آخر مقعد من جملة من هو منقطع اليه فقال للأعمى احمل هذا المقعد و انهض به فقال إني لا أستطيع ذلك فقال بلى كما فعلت أنت و هو حين أخذتما هذا المال من تلك الكوة من الدار فلما قال ذلك صدقاه فيما قال و أتيا بالمال فعظم عيسى في أعين الناس و هو صغير جدا و من ذلك أن ابن الدهقان عمل ضيافة للناس بسبب طهور أولاده فلما اجتمع الناس و أطعمهم ثم أراد أن يسقيهم شرابا يعنى خمرا كما كانوا يصنعون في ذلك الزمان لم يجد في جراره شيئا فشق ذلك عليه فلما رأى عيسى ذلك منه قام فجعل يمر على تلك الجرار و يمر يده على أفواهها فلا يفعل بجرة منها ذلك إلا امتلأت شرابا من خيار الشراب* فتعجب الناس من ذلك جدا و عظموه و عرضوا عليه