البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٢ - قصة أصحاب ايلة الذين اعتدوا في سبتهم
قال اللَّه تعالى كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ أي نختبرهم بكثرة الحيتان في يوم السبت بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي بسبب فسقهم المتقدم فلما رأوا ذلك احتالوا على اصطيادها في يوم السبت بأن نصبوا الحبال و الشباك و الشصوص و حفروا الحفر التي يجرى معها الماء الى مصانع قد أعدوها إذا دخلها السمك لا يستطيع أن يخرج منها ففعلوا ذلك في يوم الجمعة فإذا جاءت الحيتان مسترسلة يوم السبت علقت بهذه المصايد فإذا خرج سبتهم أخذوها فغضب اللَّه عليهم و لعنهم لما احتالوا على خلاف أمره و انتهكوا محارمه بالحيل التي هي ظاهرة للناظر و هي في الباطن مخالفة محضة فلما فعل ذلك طائفة منهم افترق الذين لم يفعلوا فرقتين. فرقة أنكروا عليهم صنيعهم هذا و احتيالهم على مخالفة اللَّه و شرعه في ذلك الزمان. و فرقة أخرى لم يفعلوا و لم ينهوا بل أنكروا على الذين نهوا و قالوا (لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً) يقولون ما الفائدة في نهيكم هؤلاء و قد استحقوا العقوبة لا محالة فأجابتهم الطائفة المنكرة بان قالوا (مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ) أي فيما أمرنا به من الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فنقوم به خوفا من عذابه (وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي و لعل هؤلاء يتركون ما هم عليه من هذا الصنيع فيقيهم اللَّه عذابه و يعفو عنهم إذا هم رجعوا و استمعوا. قال اللَّه تعالى فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي لم يلتفتوا الى من نهاهم عن هذا الصنيع الشنيع الفظيع (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) و هم الفرقة الآمرة بالمعروف و الناهية عن المنكر (وَ أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا) و هم المرتكبون الفاحشة (بِعَذابٍ بَئِيسٍ) و هو الشديد المؤلم الموجع (بِما كانُوا يَفْسُقُونَ). ثم فسر العذاب الّذي أصابهم بقوله (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ). و سنذكر ما ورد من الآيات في ذلك.
و المقصود هنا أن اللَّه أخبر أنه أهلك الظالمين و نجى المؤمنين المنكرين و سكت عن الساكتين. و قد اختلف فيهم العلماء على قولين فقيل إنهم من الناجين و قيل إنهم من الهالكين و الصحيح الأول عند المحققين و هو الّذي رجع اليه ابن عباس أمام المفسرين و ذلك عن مناظرة مولاه عكرمة فكساه من أجل ذلك حلة سنية تكرمة. قلت و انما لم يذكروا مع الناجين لأنهم و ان كرهوا ببواطنهم تلك الفاحشة إلا أنهم كان ينبغي لهم أن يحملوا ظواهرهم بالعمل المأمور به من الإنكار القولى الّذي هو أوسط المراتب الثلاث التي أعلاها الإنكار باليد ذات البنان و بعدها الإنكار القولى باللسان و ثالثها الإنكار بالجنان فلما لم يذكروا نجوا مع الناجين إذ لم يفعلوا الفاحشة بل أنكروها. و قد روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن رجل عن عكرمة عن ابن عباس و حكى مالك عن ابن رومان و شيبان عن قتادة و عطاء الخراساني ما مضمونه أن الذين ارتكبوا هذا الصنع اعتزلهم بقية أهل البلد و نهاهم من نهاهم منهم فلم يقبلوا فكانوا يبيتون وحدهم و يغلقون بينهم و بينهم أبوابا حاجزا لما كانوا يترقبون من هلاكهم فأصبحوا ذات يوم و أبواب ناحيتهم مغلقة لم يفتحوها و ارتفع النهار و اشتد الضحاء فأمر بقية أهل البلد رجلا أن يصعد على سلالم و يشرف عليهم من فوقهم فلما أشرف عليهم إذا هم قردة لها أذناب يتعاوون و يتعادون ففتحوا عليهم الأبواب