البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٧ - قصة عيسى بن مريم عبد اللَّه و رسوله و ابن أمته عليه من اللَّه أفضل الصلاة و السلام
الولد فنذرت للَّه ان حملت لتجعلن ولدها محررا أي حبيسا في خدمة بيت المقدس قالوا فحاضت من فورها فلما طهرت واقعها بعلها فحملت بمريم (عليها السلام) (فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) و قرى بضم التاء (وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى) أي في خدمة بيت المقدس و كانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خداما من أولادهم. و قولها (وَ إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ) استدل به على تسمية المولود يوم يولد و كما ثبت في الصحيحين عن أنس في ذهابه بأخيه الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فحنك أخاه و سماه عبد اللَّه. و جاء في حديث الحسن عن سمرة مرفوعا «كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه و يسمى و يحلق رأسه» رواه احمد و أهل السنن و صححه الترمذي و جاء في بعض ألفاظه و يدمي بدل و يسمى و صححه بعضهم و اللَّه أعلم. و قولها (وَ إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) قد استجيب لها في هذا كما تقبل منها نذرها
فقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبى هريرة أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال (ما من مولود إلا و الشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم و ابنها) ثم يقول أبو هريرة و اقرءوا ان شئتم (وَ إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) أخرجاه من حديث عبد الرزاق و رواه ابن جرير عن احمد بن الفرج عن بقية عن عبد اللَّه بن الزبيدي عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنحوه.
و قال احمد أيضا حدثنا إسماعيل بن عمر حدثنا ابن أبى ذؤيب عن عجلان مولى المشمعل عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال (كل مولود من بنى آدم يمسه الشيطان بإصبعه إلا مريم بنت عمران و ابنها عيسى).
تفرد به من هذا الوجه و رواه مسلم عن أبى الطاهر عن ابن وهب عن عمر بن الحارث عن أبى يونس عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنحوه. و
قال احمد حدثنا هشيم حدثنا حفص بن ميسرة عن العلاء عن أبيه عن أبى هريرة أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال (كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضينه إلا ما كان من مريم و ابنها أ لم تر إلى الصبى حين يسقط كيف يصرخ قالوا بلى يا رسول اللَّه قال ذلك حين يلكزه الشيطان بحضينه
و هذا على شرط مسلم و لم يخرجه من هذا الوجه و
رواه قيس عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (ما من مولود إلا و قد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى بن مريم و مريم) ثم قرأ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (وَ إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) و كذا رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد اللَّه بن قسيط عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأصل الحديث.
و قال الامام احمد حدثنا عبد الملك حدثنا المغيرة هو ابن عبد اللَّه الحزامي عن ابى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال (كل بنى آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد إلا عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب).
و هذا على شرط الصحيحين و لم يخرجوه من هذا الوجه. و قوله (فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَ أَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَ كَفَّلَها زَكَرِيَّا) ذكر كثير من المفسرين أن أمها حين وضعتها لفتها في خروقها ثم خرجت بها