البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٩ - قصة عيسى بن مريم عبد اللَّه و رسوله و ابن أمته عليه من اللَّه أفضل الصلاة و السلام
جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ. إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) يذكر تعالى أن الملائكة بشرت مريم باصطفاء اللَّه لها من بين سائر نساء عالمي زمانها بأن اختارها لإيجاد ولد منها من غير أب و بشرت بان يكون نبيا شريفا (يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ) أي في صغره يدعوهم الى عبادة اللَّه وحده لا شريك له و كذلك في حال كهوليته فدل على أنه يبلغ الكهولة و يدعو الى اللَّه فيها و أمرت بكثرة العبادة و القنوت و السجود و الركوع لتكون أهلا لهذه الكرامة و لتقوم بشكر هذه النعمة فيقال إنها كانت تقوم في الصلاة حتى تفطرت قدماها رضى اللَّه عنها و رحمها و رحم أمها و أباها فقول الملائكة (يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ) أي اختارك و اجتباك (وَ طَهَّرَكِ) أي من الأخلاق الرذيلة و أعطاك الصفات الجميلة (وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ). يحتمل أن يكون المراد عالمي زمانها كقوله لموسى انى اصطفيتك على الناس و كقوله عن بنى إسرائيل (وَ لَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ) و معلوم أن إبراهيم (عليه السلام) أفضل من موسى و ان محمدا (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أفضل منهما و كذلك هذه الأمة أفضل من سائر الأمم قبلها و أكثر عددا و أفضل علما و ازكى عملا من بنى إسرائيل و غيرهم. و يحتمل أن يكون قوله (وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ) محفوظ العموم فتكون أفضل نساء الدنيا ممن كان قبلها و وجد بعدها لأنها إن كانت نبية على قول من يقول بنبوتها و نبوة سارة أم إسحاق و نبوة أم موسى محتجا بكلام الملائكة و الوحي الى أم موسى كما يزعم ذلك ابن حزم و غيره فلا يمتنع على هذا أن يكون مريم أفضل من سارة و أم موسى لعموم قوله (وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ) إذ لم يعارضه غيره و اللَّه أعلم* و أما قول الجمهور كما قد حكاه أبو الحسن الأشعري و غيره عن أهل السنة و الجماعة من أن النبوة مختصة بالرجال و ليس في النساء نبية فيكون أعلى مقامات مريم كما قال اللَّه تعالى مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ فعلى هذا لا يمتنع أن تكون أفضل الصديقات المشهورات ممن كان قبلها و ممن يكون بعدها و اللَّه أعلم.
و قد جاء ذكرها مقرونا مع آسية بنت مزاحم و خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد رضى اللَّه عنهن و أرضاهن.
و قد روى الامام احمد و البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي من طرق عديدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد اللَّه بن جعفر عن على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خير نسائها مريم بنت عمران و خير نسائها خديجة بنت خويلد.
و قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن قتادة عن انس قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (حسبك من نساء العالمين بأربع مريم بنت عمران و آسية