البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦١ - قصة عيسى بن مريم عبد اللَّه و رسوله و ابن أمته عليه من اللَّه أفضل الصلاة و السلام
في الفضيلة. لكن ورد حديث ان صح عين الاحتمال الأول
فقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر انبأنا ابو الحسن بن الفرا و ابو غالب و أبو عبد اللَّه ابنا البناء قالوا أنبأنا أبو جعفر بن المسلمة انبأنا أبو طاهر المخلص حدثنا احمد بن سليمان حدثنا الزبير هو بن بكار حدثنا محمد بن الحسن عن عبد العزيز بن محمد عن موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية امرأة فرعون
فان كان هذا اللفظ محفوظا بثم التي للترتيب فهو مبين لأحد الاحتمالين اللذين دل عليهما الاستثناء و تقدم على ما تقدم من الألفاظ التي وردت بواو العطف التي لا تقتضي الترتيب و لا تنفيه و اللَّه أعلم.
و قد روى هذا الحديث أبو حاتم الرازيّ عن داود الجعفري عن عبد العزيز بن محمد و هو الدراوَرْديّ عن إبراهيم بن عقبة عن كريب عن ابن عباس مرفوعا فذكره بواو العطف لا بثم الترتيبية فخالفه اسنادا و متنا فاللَّه اعلم. فاما
الحديث الّذي رواه ابن مردويه من حديث شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كمل من الرجال كثير و لم يكمل من النساء الا ثلاث مريم بنت عمران و آسية امرأة فرعون و خديجة بنت خويلد و فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.
و هكذا
الحديث الّذي رواه الجماعة الا أبا داود من طرق عن شعبة عن عمرو بن مرة عن مرة الهمدانيّ عن أبى موسى الأشعري قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كمل من الرجال كثير و لم يكمل من النساء الا آسية امرأة فرعون و مريم بنت عمران و إن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.
فإنه حديث صحيح كما ترى اتفق الشيخان على إخراجه و لفظه يقتضي حصر الكمال في النساء في مريم و آسية و لعل المراد بذلك في زمانهما فان كلا منهما كفلت نبيا في حال صغره فآسية كفلت موسى الكليم و مريم كفلت ولدها عبد اللَّه و رسوله فلا ينفى كمال غيرهما في هذه الأمة كخديجة و فاطمة فخديجة خدمت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل البعثة خمسة عشر سنة و بعدها أزيد من عشر سنين و كانت له وزير صدق بنفسها و مالها رضى اللَّه عنها و أرضاها و أما فاطمة بنت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإنها خصت بمزيد فضيلة على أخواتها لأنها أصيبت برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و بقية أخواتها متن في حيات النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أما عائشة فإنها كانت أحب أزواج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اليه و لم يتزوج بكرا غيرها و لا يعرف في سائر النساء في هذه الأمة بل و لا في غيرها أعلم منها و لا أفهم و قد غار اللَّه لها حين قال لها أهل الافك ما قالوا فانزل براءتها من فوق سبع سماوات و قد عمرت بعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قريبا من خمسين سنة تبلغ عنه القرآن و السنة و تفتي المسلمين و تصلح بين المختلفين و هي أشرف أمهات المؤمنين حتى خديجة بنت خويلد أم البنات و البنين في قول طائفة من العلماء السابقين و اللاحقين و الأحسن الوقف فيهما رضى اللَّه عنهما و ما ذاك الا لأن
قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام
يحتمل أن يكون عاما بالنسبة الى المذكورات و غيرهن و يحتمل أن يكون عاما بالنسبة الى ما عدي المذكورات و اللَّه أعلم