البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٦
فاقحمت بفرسي البرية فما أصبت الأبيض النعام، فأتيته به فوجدته نائما، و إذا تحت رأسه شيء كهيئة الخشبة، فاستللته فإذا هو سيف عرضه شبر في سبعة أشبار، فضربت ساقيه ضربة أبنت الساقين مع القدمين، فاستوى على قفا ظهره و هو يقول قاتلك اللَّه ما اغدرك يا غدار. قال عمر: ثم ما ذا صنعت؟
قلت فلم أزل أضربه بسيفي حتى قطعته إربا إربا. قال فوجم لذلك ثم أنشأ يقول:
بالغدر نلت أخا الإسلام عن كثب* * * ما ان سمعت كذا في سالف العرب
و العجم تأنف مما جئته كرما* * * تبا لما جئته في السيد الارب
انى لأعجب أنى نلت قتلته* * * أم كيف جازاك عند الذنب لم تنب؟
قوم عفا عنك مرات و قد علقت* * * بالجسم منك يداه موضع العطب
لو كنت آخذ في الإسلام ما فعلوا* * * في الجاهلية أهل الشرك و الصلب
إذا لنالتك من عدلي مشطبة* * * ندعو لذائقها بالويل و الحرب
قال ثم ما كان من حال الجارية؟ قلت ثم إني أتيت الجارية. فلما رأتني قالت ما فعل الشيخ قلت قتله الحبشي، فقالت كذبت بل قتلته أنت بغدرك ثم انشأت تقول:
يا عين جودي للفارس المغوار* * * ثم جودي بواكفات غزار
لا تملى البكاء إذ خانك الدهر* * * بواف حقيقة صبار
و تقى و ذي و قار و حلم* * * و عديل الفخار يوم الفخار
لهف نفسي على بقائك عمرو* * * أسلمتك الأعمار للأقدار
و لعمري لو لم ترمه بغدر* * * رمت ليثا كصارم بتار
قال فأحفظنى قولها فاستللت سيفي و دخلت الخيمة لأقتلها فلم أر في الخيمة أحدا فاستقت الماشية و جئت الى أهلي. و هذا أثر عجيب. و الظاهر أن الشيخ كان من الجان و كان ممن أسلم و تعلم القرآن، و فيما تعلمه بسم اللَّه الرحمن الرحيم. و كان يتعوذ بها.
و قال الخرائطى: حدثنا عبد اللَّه بن محمد البلوى حدثنا عمارة بن زيد قال حدثني عبد اللَّه بن العلاء عن هشام بن عروة عن أبيه عن جدته أسماء بنت أبى بكر قالت: كان زيد بن عمرو بن نفيل، و ورقة بن نوفل يذكران انهما أتيا النجاشي بعد رجوع أبرهة من مكة، قالا فلما دخلنا عليه قال لنا أصدقاني أيها القرشيان هل ولد فيكم مولود أراد أبوه ذبحه فضرب عليه بالقداح فسلم و نحرت عنه إبل كثيرة؟
قلنا نعم. قال فهل لكما علم به ما فعل؟ قلنا تزوج امرأة يقال لها آمنة بنت وهب تركها حاملا و خرج قال فهل تعلمان ولد أم لا؟ قال ورقة بن نوفل أخبرك أيها الملك أنى ليلة قد بت عند وثن لنا كنا نطيف به، و نعبده إذ سمعت من جوفه هاتفا يقول: