البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٧
ولد النبي فذلت الاملاك* * * و نأى الضلال و أدبر الإشراك
ثم انتكس الصم على وجهه. فقال زيد بن عمرو بن نفيل عندي كخبره أيها الملك. قال هات قال أنا في مثل هذه الليلة التي ذكر فيها حديثه خرجت من عند أهلي و هم يذكرون حمل آمنة حتى أتيت جبل أبى قبيس أريد الخلو فيه لأمر رابني إذ رأيت رجلا نزل من السماء له جناحان أخضران، فوقف على أبى قبيس ثم أشرف على مكة فقال: ذل الشيطان و بطلت الأوثان ولد الأمين. ثم نشر ثوبا معه و أهوى به نحو المشرق و المغرب فرأيته قد جلل ما تحت السماء و سطع نور كاد أن يختطف بصرى و هالني ما رأيت. و خفق الهاتف بجناحيه حتى سقط على الكعبة. فسطع له نور أشرقت له تهامة.
و قال: ذكت الأرض و أدت ربيعها. و أومأ إلى الأصنام التي كانت على الكعبة فسقطت كلها. قال النجاشي ويحكما أخبركما عما أصابنى، إني لنائم في الليلة التي ذكرتما في قبة وقت خلوتي، إذ خرج على من الأرض عنق و رأس، و هو يقول حل الويل بأصحاب الفيل، رمتهم طير أبابيل، بحجارة من سجيل هلك الأشرم المعتدي المجرم، و ولد النبي الأمي، المكيّ الحرمي، من أجابه سعد، و من أباه عتد. ثم دخل الأرض فغاب فذهبت أصيح فلم أطق الكلام، و رمت القيام فلم أطق القيام، فصرعت القبة بيدي؟ فسمع بذلك أهلي فجاءوني فقلت احجبوا عنى الحبشة فحجبوهم عنى ثم أطلق عن لساني و رجلي.
و سيأتي إن شاء اللَّه تعالى في قصة المولد رؤيا كسرى في سقوط أربع عشرة شرافة من إيوانه، و خمود نيرانه و رؤيا مونذانه، و تفسير سطيح لذلك على يدي عبد المسيح [١]. و
روى الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه في ترجمة الحارث بن هانئ بن المدلج بن المقداد بن زمل بن عمرو العذري عن أبيه عن جده عن أبيه عن زمل بن عمرو العذري قال: كان لبني عذرة صنم يقال له حمام و كانوا يعظمونه و كان في بنى هند بن حرام بن ضبة بن عبد بن كثير بن عذرة و كان سادنه رجلا يقال له طارق و كانوا يعترون عنده. فلما ظهر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سمعنا صوتا يقول يا بنى هند بن حرام. ظهر الحق و أودى صمام و دفع الشرك الإسلام. قال ففزعنا لذلك و هالنا فمكثنا أياما. ثم سمعنا صوتا و هو يقول: يا طارق يا طارق. بعث النبي الصادق، بوحي ناطق، صدع صادع بأرض تهامة، لناصريه السلامة، و لخاذليه الندامة، هذا الوداع منى إلى يوم القيامة. قال زمل فوقع الصنم لوجهه. قال فابتعت راحلة و رحلت حتى أتيت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مع نفر من قومي و أنشدته شعرا قلته:
إليك رسول اللَّه أعملت نصها* * * و كلفتها حزنا و غورا من الرمل
لا نصر خير الناس نصرا مؤزرا* * * و اعقد حبلا من حبالك في حبلى
و اشهد أن اللَّه لا شيء غيره* * * أدين به ما أثقلت قدمي نعلى
[١] قد مضت هذه القصة في ميلاده (صلّى اللَّه عليه و سلّم). من هذا الجزء.