البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٤ - ذكر حاتم الطائي أحد أجواد الجاهلية
حاتم حدثينا عن حاتم قالت كل أمره كان عجبا أصابتنا سنة حصت كل شيء فاقشعرت لها الأرض و اغبرت لها السماء و ضنت المراضع على أولادها و راحت الإبل حدبا حدابير ما تبض بقطرة و حلقت المال و أنا لفي ليلة صنّبر بعيدة ما بين الطرفين إذ تضاغى الأصبية من الجوع عبد اللَّه و عدي و سفانة فو اللَّه إن وجدنا شيئا نعللهم به فقام الى أحد الصبيان فحمله و قمت الى الصبية فعللتها فو اللَّه إن سكتا الا بعد هدأة من الليل ثم عدنا الى الصبى الآخر فعللناه حتى سكت و ما كاد ثم افترشنا قطيفة لنا شامية ذات خمل فاضجعنا الصبيان عليها و نمت أنا و هو في حجرة و الصبيان بيننا ثم اقبل عليّ يعللنى لأنام و عرفت ما يريد فتناومت فقال ما لك أنمت فسكت فقال ما أراها إلا قد نامت و ما بي نوم فلما أدلهم الليل و تهورت النجوم و هدأت الأصوات و سكنت الرجل إذ جانب البيت قد رفع فقال من هذا؟ فولى حتى قلت إذا قد اسحرنا أو كدنا عاد فقال من هذا؟ قالت جارتك فلانة يا أبا عدي ما وجدت على أحد معولا غيرك أتيتك من عند اصبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع قال أعجليهم على قالت النوار فوثبت فقلت ما ذا صنعت أضطجع و اللَّه لقد تضاغى أصبيتك فما وجدت ما تعللهم فكيف بهذه و بولدها فقال اسكتي فو اللَّه لأشبعنك ان شاء اللَّه قالت فأقبلت تحمل اثنين و تمشى جنبتيها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها فقام الى فرسه فوجأ بحربته في لبته ثم قدح زنده و أورى ناره ثم جاء بمدية فكشط عن جلده ثم دفع المدية الى المرأة ثم قال دونك ثم قال ابعثي صبيانك فبعثتهم ثم قال سوءة أ تأكلون شيئا دون أهل الصرم فجعل يطوف فيهم حتى هبوا و أقبلوا عليه و التفع في ثوبه ثم اضطجع ناحية ينظر إلينا و اللَّه ما ذاق مزعة و انه لأحوجهم اليه فأصبحنا و ما على الأرض منه الأعظم و حافر.
و قال الدارقطنيّ: حدثني القاضي أبو عبد اللَّه المحاملي حدثنا عبد اللَّه بن أبى سعد و حدثنا عثيم بن ثوابة بن حاتم الطائي عن أبيه عن جده قال قالت امرأة حاتم لحاتم يا أبا سفانة اشتهى ان آكل أنا و أنت طعاما وحدنا ليس عليه أحد فأمرها فحولت خيمتها من الجماعة على فرسخ و أمر بالطعام فهيّئ و هي مرخاة ستورها عليه و عليها فلما قارب نضج الطعام كشف عن رأسه ثم قال:
فلا تطبخى قدري و سترك دونها* * * على اذن ما تطبخين حرام
و لكن بهذاك اليفاع فاوقدى* * * بجزل إذا أوقدت لا بضرام
قال ثم كشف الستور و قدم الطعام و دعي الناس فأكل و أكلوا فقالت ما أتممت لي ما قلت فأجابها فانى لا تطاوعني نفسي و نفسي أكرم على من أن يثنى على هذا و قد سبق لي السخاء ثم أنشأ يقول:
أمارس نفسي البخل حتى أعزها* * * و اترك نفس الجود ما استثيرها
و لا تشتكينى جارتى غير أنها* * * إذا غاب عنها بعلها لا أزورها
سيبلغها خيرى و يرجع بعلها* * * إليها و لم تقصر عليها ستورها