البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٩ - ذكر ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا أي و جعلني برا بوالدتي و ذلك أنه تأكد حقها عليه لتمحض جهتها إذ لا والد له سواها فسبحان من خلق الخليقة و برأها و أعطى كل نفس هداها. وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا أي لست بفظ و لا غليظ و لا يصدر منى قول و لا فعل ينافي أمر اللَّه و طاعته* وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. و هذه الأماكن الثلاثة التي تقدم الكلام عليها في قصة يحيى بن زكريا (عليهما السلام). ثم لما ذكر تعالى قصته على الجلية و بين أمره و وضحه و شرحه قال ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ. ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ كما قال تعالى بعد ذكر قصته و ما كان من أمره في آل عمران ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ* إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ* فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ* إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ* و لهذا لما قدم وفد نجران و كانوا ستين راكبا يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم و يؤول أمر الجميع الى ثلاثة هم أشرافهم و ساداتهم و هم العاقب و السيد و أبو حارثة بن علقمة فجعلوا يناظرون في أمر المسيح فأنزل اللَّه صدر سورة آل عمران في ذلك و بين أمر المسيح و ابتداء خلقه و خلق أمه من قبله و أمر رسوله بان يباهلهم ان لم يستجيبوا له و يتبعوه فلما رأوا عينيها و أذنيها نكصوا و امتنعوا عن المباهلة و عدلوا إلى المسالمة و الموادعة و قال قائلهم و هو العاقب عبد المسيح يا معشر النصارى لقد علمتم أن محمدا لنبي مرسل و لقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم و لقد علمتم أنه مالا عن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم و لا نبت صغيرهم و انها للاستئصال منكم ان فعلتم فان كنتم قد أبيتم الا ألف دينكم و الاقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل و انصرفوا الى بلادكم فطلبوا ذلك من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و سألوه أن يضرب عليهم جزية و أن يبعث معهم رجلا أمينا فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح و قد بينا ذلك في تفسير آل عمران و سيأتي بسط هذه القضية في السيرة النبويّة إن شاء اللَّه تعالى و به الثقة* و المقصود أن اللَّه تعالى بين أمر المسيح قال لرسوله (ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) يعنى من أنه عبد مخلوق من امرأة من عباد اللَّه و لهذا قال (ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) أي لا يعجزه شيء و لا يكترثه و لا يؤوده بل هو القدير الفعال لما يشاء (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) و قوله إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد أخبرهم أن اللَّه ربه و ربهم و إلهه و إلههم و أن هذا هو السراط المستقيم. قال اللَّه تعالى فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ