البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٠ - فصل في تجديد قريش بناء الكعبة قبل المبعث بخمس سنين
ابن حرب عن خالد بن عرعرة عن على بن أبى طالب. قال: لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا من يضعه فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب فدخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من باب بنى شيبة فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه و أمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب فرفعوه و أخذه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فوضعه،
قال يعقوب بن سفيان أخبرنى أصبغ بن فرج أخبرنى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال لما بلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الحلم جمرت امرأة الكعبة فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة فاحترقت فهدموها حتى إذا بنوها فبلغوا موضع الركن اختصمت قريش في الركن أي القبائل تلى رفعه. فقالوا: تعالوا تحكم أول من يطلع علينا، فطلع عليهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو غلام عليه وشاح نمرة فحكموه فأمر بالركن فوضع في ثوب ثم أخرج سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب ثم ارتقى هو فرفعوا اليه الركن فكان هو يضعه فكان لا يزداد على السن الأرضي حتى دعوه الأمين قبل أن ينزل عليه الوحي، فطفقوا لا ينحرون جزورا الا التمسوه فيدعو لهم فيها، و هذا سياق حسن، و هو من سير الزهري، و فيه من الغرابة قوله: فلما بلغ الحلم. و المشهور أن هذا كان و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عمره خمس و ثلاثون سنة، و هو الّذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار (رحمه اللَّه).
و قال موسى بن عقبة: كان بناء الكعبة قبل المبعث بخمس عشرة سنة. و هكذا قال مجاهد، و عروة، و محمد بن جبير بن مطعم، و غيرهم. فاللَّه أعلم.
و قال موسى بن عقبة: كان بين الفجار و بين بناء الكعبة خمس عشرة سنة.
قلت: و كان الفجار و حلف الفضول في سنة واحدة إذ كان عمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عشرون سنة.
و هذا يؤيد ما قال محمد بن إسحاق و اللَّه اعلم.
قال موسى بن عقبة: و انما حمل قريشا على بنائها ان السيول كانت تأتى من فوقها، من فوق الردم الّذي صفوه فخر به فخافوا ان يدخلها الماء. و كان رجل يقال له مليح سرق طيب الكعبة.
فأرادوا ان يشيدوا بنيانها و ان يرفعو بابها حتى لا يدخلها إلا من شاءوا فأعدوا لذلك نفقة و عمالا. ثم غدوا اليها ليهدموها على شفق و حذر أن يمنعهم الّذي أرادوا. فكان أول رجل طلعها و هدم منها شيئا الوليد بن المغيرة فلما رأوا الّذي فعل الوليد تتابعوا فوضعوها فأعجبهم ذلك. فلما أرادوا أن يأخذوا في بنيانها احضروا عمالهم فلم يقدر رجل منهم أن يمضى امامه موضع قدم فزعموا انهم رأوا حية قد أحاطت بالبيت رأسها عند ذنبها. فأشفقوا منها شفقة شديدة، و خشوا ان يكونوا قد وقعوا مما عملوا في هلكة. و كانت الكعبة حرزهم و منعتهم من الناس و شرفا لهم. فلما سقط في أيديهم و التبس عليهم أمرهم قام فيهم المغيرة ابن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم فذكر ما كان من نصحه لهم و امره إياهم ان لا يتشاجروا و لا يتحاسدوا في في بنائها. و أن يقتسموها أرباعا. و ان لا يدخلوا في بنائها مالا حراما. و ذكر انهم لما عزموا على ذلك