البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠ - قصة سليمان بن داود (عليهما السلام)
و المقصود أن سليمان (عليه السلام) فهم ما خاطبت به تلك النملة لامتها من الرأى السديد و الأمر الحميد و تبسم من ذلك على وجه الاستبشار و الفرح و السرور بما أطلعه اللَّه عليه دون غيره و ليس كما يقوله بعض الجهلة من أن الدواب كانت تنطق قبل سليمان و تخاطب الناس حتى أخذ عليهم سليمان بن داود العهد و ألجمها فلم تتكلم مع الناس بعد ذلك فان هذا لا يقوله الا الذين لا يعلمون و لو كان هذا هكذا لم يكن لسليمان في فهم لغاتها مزية على غيره إذ قد كان الناس كلهم يفهمون ذلك و لو كان قد أخذ عليها العهد أن لا تتكلم مع غيره و كان هو يفهمها لم يكن في هذا أيضا فائدة يعول عليها و لهذا قال (رَبِّ أَوْزِعْنِي) أي ألهمنى و أرشدنى (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ) فطلب من اللَّه أن يقيضه للشكر على ما أنعم به عليه و على ما خصه به من المزية على غيره و ان يبسر عليه العمل الصالح و ان يحشره إذا توفاه مع عباده الصالحين و قد استجاب اللَّه تعالى له* و المراد بوالديه داود (عليه السلام) و أمه و كانت من العابدات الصالحات كما
قال سنيد بن داود عن يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال قالت أم سليمان بن داود يا بنى لا تكثر النوم بالليل فان كثرة النوم بالليل تدع العبد فقيرا يوم القيامة. رواه ابن ماجة عن أربعة من مشايخه عنه به نحوه.
[١] و قال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن سليمان ابن داود (عليه السلام) خرج هو و أصحابه يستسقون فرأى نملة قائمة رافعة احدى قوائمها تستسقى فقال لأصحابه ارجعوا فقد سقيتم ان هذه النملة استسقت فاستجيب لها.
قال ابن عساكر و قد روى مرفوعا و لم يذكر فيه سليمان ثم ساقه من طريق محمد بن عزيز عن سلامة بن روح بن خالد عن عقيل عن ابن شهاب حدثني أبو سلمة عن أبى هريرة أنه سمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون اللَّه فإذا هم بنملة رافعة بعض قوائمها الى السماء فقال النبي ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة
و قال السدي أصاب الناس قحط على عهد سليمان (عليه السلام) فأمر الناس فخرجوا فإذا بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها و هي تقول «اللَّهمّ انا خلق من خلقك و لا غناء بنا عن فضلك» قال فصب اللَّه عليهم المطر. قال تعالى وَ تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ. وَجَدْتُها وَ قَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَ ما تُعْلِنُونَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ. اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ.
[١] من هنا لغاية قوله فصب اللَّه عليهم المطر لم يوجد بالنسختين الموجودتين بالمكتبة المصرية.