البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧١ - ذكر ارتجاس الإيوان
قال نعم و الشفق و الغسق و القمر إذا اتسق إن ما أنبأتك عليه لحق. و وافقه على ذلك شق سواء بسواء بعبارة أخرى كما تقدم. و من شعر سطيح قوله:
عليكم بتقوى اللَّه في السر و الجهر* * * و لا تلبسوا صدق الأمانة بالغدر
و كونوا لجار الجنب حصنا و جنة* * * إذا ما عرته النائبات من الدهر
و روى ذلك الحافظ ابن عساكر ثم أورد ذلك المعافى بن زكريا الجريريّ فقال: و أخبار سطيح كثيرة و قد جمعها غير واحد من أهل العلم. و المشهور أنه كان كاهنا و قد أخبر عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عن نعته و مبعثه. و
روى لنا باسناد اللَّه به أعلم أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سئل عن سطيح فقال: «نبي ضيعه قومه».
قلت: أما هذا الحديث فلا أصل له في شيء من كتب الإسلام المعهودة و لم أره باسناد أصلا.
و يروى مثله في خبر خالد بن سنان العبسيّ و لا يصح أيضا و ظاهر هذه العبارات تدل على علم جيد لسطيح و فيها روائح التصديق لكنه لم يدرك الإسلام كما قال الجريريّ. فإنه قد ذكرنا في هذا الأثر أنه قال لابن أخته: يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، و ظهر صاحب الهراوة، و فاض وادي السماوة و غاضت بحيرة ساوة، و خمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما يملك منهم ملوك و ملكات، على عدد الشرفات و كل ما هو آت آت ثم قضى سطيح مكانه و كان ذلك بعد مولد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بشهر- أو شية- أي أقل منه- و كانت وفاته بأطراف الشام مما يلي أرض العراق- فاللَّه أعلم بأمره و ما صار اليه.
و ذكر ابن طرار الحريري [١] أنه عاش سبعمائة سنة. و قال غيره خمسمائة سنة، و قيل ثلاثمائة سنة فاللَّه أعلم.
و قد روى ابن عساكر أن ملكا سأل سطيحا عن نسب غلام اختلف فيه فأخبره على الجلية في كلام طويل مليح فصيح. فقال له الملك يا سطيح ألا تخبرني عن علمك هذا؟ فقال إن علمي هذا ليس منى و لا بجزم و لا بظن و لكن أخذته عن أخ لي قد سمع الوحي بطور سيناء. فقال له أ رأيت أخاك هذا الجنى أ هو معك لا يفارقك، فقال انه ليزول حيث أزول، و لا أنطق إلا بما يقول. و تقدم أنه ولد هو و شق بن مصعب بن يشكر بن رهم بن بسر بن عقبة الكاهن الآخر ولدا في يوم واحد، فحملا إلى الكاهنة طريفة بنت الحسين الحميدية فتفلت في أفواههما فورثا منها الكهانة و ماتت من يومها. و كان نصف إنسان و يقال إن خالد بن عبد اللَّه القسري من سلالته، و قد مات شق قبل سطيح بدهر.
و أما عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن نفيلة الغساني النصراني فكان من المعمرين و قد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه و قال هو الّذي صالح خالد بن لوليد على [٢] .. و ذكر له معه قصة طويلة و أنه أكل من يده سم ساعة فلم يصبه سوء لانه لما أخذه قال: بسم اللَّه و باللَّه رب الأرض و السماء الّذي لا يضر مع اسمه أذى. ثم أكله فعلته غشية فضرب بيديه على صدره ثم عرق و أفاق رضى اللَّه عنه
[١] هكذا بالأصل و لعله المعافى بن زكريا الجريريّ
[٢] كذا في الأصل بياض