البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٨
قال فأسلمت و بايعته. و أخبرناه بما سمعنا فقال: «ذاك من كلام الجن». ثم قال: «يا معشر العرب إني رسول اللَّه إليكم و إلى الأنام كافة، أدعوهم إلى عبادة اللَّه وحده، و إني رسوله و عبده، و أن تحجوا البيت و تصوموا شهرا من اثني عشر شهرا و هو شهر رمضان، فمن أجابني فله الجنة نزلا، و من عصاني كانت النار له منقلبا». قال فأسلمنا و عقد لنا لواء. و كتب لنا كتابا نسخته: «بسم اللَّه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللَّه لزمل بن عمرو و من أسلم معه خاصة إني بعثته إلى قومه عامدا فمن أسلم ففي حزب اللَّه و رسوله. و من أبى فله أمان شهرين. شهد على بن أبى طالب و محمد بن مسلمة الأنصاري»
ثم قال ابن عساكر: غريب جدا.
و قال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازية: حدثني محمد بن سعيد- يعنى عمه-. قال قال محمد بن المنكدر إنه ذكر لي عن ابن عباس قال هتف هاتف من الجن على أبى قبيس فقال:
قبح اللَّه رأيكم آل فهر* * * ما أدق العقول و الافهام
حين تعصى لمن يعيب عليها* * * دين آبائها الحماة الكرام
حالف الجن جن بصرى عليكم* * * و رجال [١] النخيل و الآطام
يوشك الخيل أن تردها تهادى* * * تقتل القوم في حرام بهام
هل كريم منكم له نفس حر* * * ماجد الوالدين و الأعمام
ضارب ضربة تكون نكالا* * * و رواحا من كربة و اغتمام
قال ابن عباس فأصبح هذا الشعر حديثا لأهل مكة يتناشدونه بينهم. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «هذا شيطان يكلم الناس في الأوثان يقال له مسعر، و اللَّه مخزيه» فمكثوا ثلاثة أيام فإذا هاتف يهتف على الجبل يقول:
نحن قتلنا في ثلاث مسعرا* * * إذ سفه الجن و سن المنكرا
قنعته سيفا حساما مشهرا* * * بشتمه نبينا المطهرا
فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «هذا عفريت من الجن اسمه سمج آمن بى سميته عبد اللَّه أخبرنى أنه في طلبه ثلاثة أيام» فقال على جزاه اللَّه خيرا يا رسول اللَّه.
و قد روى الحافظ أبو نعيم في الدلائل قال: حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر حدثنا أبو الفضل محمد بن عبد الرحمن بن موسى بن أبى حرب الصفار حدثنا عباس بن الفرج الرياشي حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبى ثابت عن أبيه عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن ابن عباس عن سعد بن عبادة قال: بعثني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى حضر موت في حاجة قبل الهجرة، حتى إذا كنت في بعض الطريق ساعة من الليل فسمعت هاتفا يقول:
[١] أصلحنا هذه الأبيات من السيرة الشامية.