البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٤ - ذكر ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
و قد تقدم أن مريم لما جعلتها أمها محررة تخدم بيت المقدس و انه كفلها زوج أختها أو خالتها نبي ذلك الزمان زكريا (عليه السلام) و انه اتخذ لها محرابا و هو المكان الشريف من المسجد لا يدخله أحد عليها سواه و انها لما بلغت اجتهدت في العبادة فلم يكن في ذلك الزمان نظيرها في فنون العبادات و ظهر عليها من الأحوال ما غبطها به زكريا (عليه السلام) و أنها خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء اللَّه لها و بانه سيهب لها ولدا زكيا يكون نبيا كريما طاهرا مكرما مؤيدا بالمعجزات فتعجبت من وجود ولد من غير والد لأنها لا زوج لها و لا هي ممن تتزوج فأخبرتها الملائكة بان اللَّه قادر على ما يشاء إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فاستكانت لذلك و انابت و سلمت لأمر اللَّه و علمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها فان الناس يتكلمون فيها بسببه لانهم لا يعلمون حقيقة الأمر و انما ينظرون الى ظاهر الحال من غير تدبر و لا تعقل و كانت انما تخرج من المسجد في زمن حيضها أو لحاجة ضرورية لا بد منها من استقاء ماء أو تحصيل غذاء فبينما هي يوما قد خرجت لبعض شئونها (و انْتَبَذَتْ) أي انفردت وحدها شرقى المسجد الأقصى إذ بعث اللَّه اليها الروح الأمين جبريل (عليه السلام) (فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا) فلما رأته (قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا). قال أبو العالية علمت أن التقى ذو نهية و هذا يرد قول من زعم انه كان في بنى إسرائيل رجل فاسق مشهور بالفسق اسمه تقى فان هذا قول باطل بلا دليل و هو من أسخف الأقوال (قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) أي خاطبها الملك قائلا انما أنا رسول ربك لست ببشر و لكنى ملك بعثني اللَّه إليك (لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا) أي ولدا زكيا (قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ) أي كيف يكون لي غلام أو يوجد لي ولد (وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا) أي و لست ذات زوج و ما أنا ممن يفعل الفاحشة (قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) أي فأجابها الملك عن تعجبها من وجود ولد منها و الحالة هذه قائلا (كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ) أي وعد أنه سيخلق منك غلاما و لست بذات بعل و لا تكونين ممن تبغين (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) أي و هذا سهل عليه و يسير لديه فإنه على ما يشاء قدير. و قوله (وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ) أي و لنجعل خلقه و الحالة هذه دليلا على كمال قدرتنا على أنواع الخلق فإنه تعالى خلق ادم من غير ذكر و لا أنثى و خلق حواء من ذكر بلا أنثى و خلق عيسى من أنثى بلا ذكر و خلق بقية الخلق من ذكر و أنثى. و قوله (وَ رَحْمَةً مِنَّا) أي نرحم به العباد بان يدعوهم الى اللَّه في صغره و كبره في طفوليته و كهوليته بأن يفردوا اللَّه بالعبادة وحده لا شريك له و ينزهوه عن اتخاذ الصاحبة و الأولاد و الشركاء و النظراء و الاضداد و الأنداد. و قوله (وَ كانَ أَمْراً مَقْضِيًّا). يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام جبريل معها يعنى ان هذا أمر قد قضاه اللَّه و حتمه و قدره و قرره و هذا معنى قول محمد بن إسحاق و اختاره ابن جرير و لم يحك سواه و اللَّه أعلم. و يحتمل أن يكون قوله (وَ كانَ أَمْراً مَقْضِيًّا) كناية عن نفخ جبريل فيها كما قال تعالى وَ مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا. فذكر غير واحد من السلف ان جبريل نفخ في جيب درعها فنزلت