البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٨ - ذكر خراب بيت المقدس
بعضها بعضا فيا ويلهم ثم يا ويلهم انما أكرم من أكرمنى و أهين من هان عليه أمري ان من كان قبل هؤلاء القوم من القرون يستخفون بمعصيتي و ان هؤلاء القوم يتبرعون بمعصيتي تبرعا فيظهرونها في المساجد و الأسواق و على رءوس الجبال و ظلال الأشجار حتى عجت السماء الى منهم و عجت الأرض و الجبال و نفرت منها الوحوش بأطراف الأرض و أقاصيها و في كل ذلك لا ينتهون و لا ينتفعون بما علموا من الكتاب).
قال فلما بلغهم أرميا رسالة ربهم و سمعوا ما فيها من الوعيد و العذاب عصوه و كذبوه و أتهموه و قالوا (كذبت و أعظمت على اللَّه الفرية فتزعم أن اللَّه معطل أرضه و مساجده من كتابه و عبادته و توحيده فمن يعبده حين لا يبقى له في الأرض عابد و لا مسجد و لا كتاب لقد أعظمت الفرية على اللَّه و اعتراك الجنون) فأخذوه و قيدوه و سجنوه فعند ذلك بعث اللَّه عليهم نصر فاقبل يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم ثم حاصرهم فكان كما قال تعالى فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ قال فلما طال بهم الحصر نزلوا على حكمه ففتحوا الأبواب و تخللوا الازقة و ذلك قوله فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ و حكم فيهم حكم الجاهلية و بطش الجبارين فقتل منهم الثلث و سبى الثلث و ترك الزمنى و الشيوخ و العجائز ثم وطئهم بالخيل و هدم بيت المقدس و ساق الضبيان و أوقف النساء في الأسواق حاسرات و قتل المقاتلة و خرب الحصون و هدم المساجد و حرق التوراة و سأل عن دانيال الّذي كان قد كتب له الكتاب فوجدوه قد مات و أخرج أهل بيته الكتاب اليه و كان فيهم دانيال بن حزقيل الأصغر و ميشائيل و عزرائيل و ميخائيل فأمضى لهم ذلك الكتاب و كان دانيال بن حزقيل خلفا من دانيال الأكبر و دخل نصر بجنوده بيت المقدس و وطئ الشام كلها و قتل بنى إسرائيل حتى أفناهم* فلما فرغ منها انصرف راجعا و حمل الأموال التي كانت بها و ساق السبايا فبلغ معه عدة صبيانهم من أبناء الأحبار و الملوك تسعين ألف غلام و قذف الكناسات في بيت المقدس و ذبح فيه الخنازير و كان الغلمان سبعة آلاف غلام من بيت داود و أحد عشر الفا من سبط يوسف بن يعقوب و أخيه بنيامين و ثمانية آلاف من سبط ايشى بن يعقوب و أربعة عشر الفا من سبط زبالون و نفتالى ابني يعقوب و أربعة عشر الفا من سبط دان بن يعقوب و ثمانية آلاف من سبط يستأخر بن يعقوب و الفين من سبط زبالون بن يعقوب و أربعة آلاف من سبط روبيل و لاوى و اثنى عشر الفا من سائر بنى إسرائيل و انطلق حتى قدم أرض بابل.
قال إسحاق بن بشر قال وهب بن منبه فلما فعل ما فعل قيل له كان لهم صاحب يحذرهم ما أصابهم و يصفك و خبرك لهم و يخبرهم أنك تقتل مقاتلتهم و تسبى ذراريهم و تهدم مساجدهم و تحرق كنائسهم فكذبوه و اتهموه و ضربوه و قيدوه و حبسوه فأمر نصر فاخرج أرميا من السجن فقال له أ كنت تحذر هؤلاء القوم ما أصابهم قال نعم قال فانى علمت ذلك قال أرسلنى اللَّه اليهم فكذبوني قال كذبوك و ضربوك و سجنوك قال نعم قال (بئس القوم قوم كذبوا نبيهم و كذبوا رسالة ربهم فهل لك أن تلحق