البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٦ - قصة أصحاب الكهف
و ورعهم (وَ لْيَتَلَطَّفْ) أي في دخوله اليها (وَ لا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَ لَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً) أي ان عدتم في ملتهم بعد إذ أنقذكم اللَّه منها و هذا كله لظنهم انهم رقدوا يوما أو بعض يوم أو أكثر من ذلك و لم يحسبوا انهم قد رقدوا أزيد من ثلاثمائة سنة و قد تبدلت الدول أطوارا عديدة و تغيرت البلاد و من عليها و ذهب أولئك القرن الذين كانوا فيهم و جاء غيرهم و ذهبوا و جاء غيرهم و لهذا لما خرج أحدهم و هو تيذوسيس [١] فيما قيل و جاء الى المدينة متنكرا لئلا يعرفه أحد من قومه فيما يحسبه تنكرت له البلاد و استنكره من يراه من أهلها و استغربوا شكله و صفته و دراهمه فيقال انهم حملوه الى متوليهم و خافوا من أمره أن يكون جاسوسا أو تكون له صولة يخشون من مضرتها فيقال انه هرب منهم و يقال بل أخبرهم خبره و من معه و ما كان من أمرهم فانطلقوا معه ليريهم مكانهم فلما قربوا من الكهف دخل الى إخوانه فأخبرهم حقيقة أمرهم و مقدار ما رقدوا فعلموا أن هذا أمر قدره اللَّه فيقال انهم استمروا راقدين و يقال بل ماتوا بعد ذلك.
و أما أهل البلدة فيقال انهم لم يهتدوا الى موضعهم من الغار و عمى اللَّه عليهم أمرهم و يقال لم يستطيعوا دخوله حسا [٢] و يقال مهابة لهم.
و اختلفوا في أمرهم فقائلون يقولون (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً) أي سدوا عليهم باب الكهف لئلا يخرجوا أو لئلا يصل اليهم ما يؤذيهم و آخرون و هم الغالبون على أمرهم قالوا (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) أي معبدا يكون مباركا لمجاورته هؤلاء الصالحين. و هذا كان شائعا فيمن كان قبلنا فاما في شرعنا فقد ثبت
في الصحيحين عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال (لعن اللَّه اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)
يخذر ما فعلوا و أما قوله (وَ كَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ أَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها) فمعنى أعثرنا أطلعنا على أمرهم الناس. قال كثير من المفسرين ليعلم الناس أن المعاد حق و ان الساعة لا ريب فيها إذا علموا أن هؤلاء القوم رقدوا أزيد من ثلاثمائة سنة ثم قاموا كما كانوا من غير تغير منهم فان من أبقاهم كما هم قادر على اعادة الأبدان و ان أكلتها الديدان و على إحياء الأموات و ان صارت أجسامهم و عظامهم رفاتا و هذا مما لا يشك فيه المؤمنون (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). هذا و يحتمل عود الضمير في قوله ليعلموا الى أصحاب الكهف إذ علمهم بذلك من أنفسهم ابلغ من علم غيرهم بهم و يحتمل أن يعود على الجميع و اللَّه أعلم. ثم قال تعالى سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ فذكر اختلاف الناس في كميتهم فحكى ثلاثة أقوال و ضعف الأولين و قرر الثالث فدل على انه الحق إذ لو قيل غير ذلك لحكاه و لو لم يكن هذا الثالث هو الصحيح
[١] كذا بالأصول و الّذي في ابن جرير أن اسمه يمليخا و ان تيذوسيس فهو اسم الملك الّذي كان على المدينة حين قيامهم من رقدتهم انتهى محمود الامام.
[٢] كذا بالأصول و لعله جبنا.