البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٤ - قصة أصحاب الكهف
و اسم كهفهم حيزم و أما الرقيم فعن ابن عباس أنه قال لا أدرى ما المراد به. و قيل هو الكتاب المرقوم فيه أسماؤهم و ما جرى لهم كتب من بعدهم اختاره ابن جرير و غيره. و قيل هو اسم الجبل الّذي فيه كهفهم.
قال ابن عباس و شعيب الجبائي و اسمه بناجلوس. و قيل هو اسم واد عند كهفهم و قيل اسم قرية هنالك و اللَّه أعلم.
قال شعيب الجبائي و اسم كلبهم حمران و اعتناء اليهود بأمرهم و معرفة خبرهم يدل على أن زمانهم متقدم على ما ذكره بعض المفسرين انهم كانوا بعد المسيح و انهم كانوا نصارى. و الظاهر من السياق أن قومهم كانوا مشركين يعبدون الأصنام. قال كثير من المفسرين و المؤرخين و غيرهم كانوا في زمن ملك يقال له دقيانوس و كانوا من أبناء الأكابر. و قيل من أبناء الملوك و اتفق اجتماعهم في يوم عيد لقومهم فرأوا ما يتعاطاه قومهم من السجود للأصنام و التعظيم للأوثان فنظروا بعين البصيرة و كشف اللَّه عن قلوبهم حجاب الغفلة و الهمهم رشدهم فعلموا أن قومهم ليسوا على شيء فخرجوا عن دينهم و انتموا الى عبادة اللَّه وحده لا شريك له. و يقال إن كل واحد منهم لما أوقع اللَّه في نفسه ما هداه اليه من التوحيد انحاز عن الناس و اتفق اجتماع هؤلاء الفتية في مكان واحد كما صح في البخاري (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف) فكل منهم سأل الآخر عن امره و عن شأنه فأخبره ما هو عليه و اتفقوا على الانحياز عن قومهم و التبري منهم و الخروج من بين أظهرهم و الفرار بدينهم منهم و هو المشروع حال الفتن و ظهور الشرور. قال اللَّه تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً وَ رَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ أي بدليل ظاهر على ما ذهبوا اليه و صاروا من الأمر عليه فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَ إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ أي و إذ فارقتموهم في دينهم و تبرأتم مما يعبدون من دون اللَّه و ذلك لانهم كانوا يشركون مع اللَّه كما قال الخليل (إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) و هكذا هؤلاء الفتية قال بعضهم إذ قد فارقتم قومكم في دينهم فاعتزلوهم بأبدانكم لتسلموا منهم أن يوصلوا إليكم شرا (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً) أي يسبل عليكم ستره و تكونوا تحت حفظه و كنفه و يجعل عاقبة أمركم الى خير كما جاء في الحديث (اللَّهمّ أحسن عاقبتنا في الأمور كلها و أجرنا من خزي الدنيا و من عذاب الآخرة). ثم ذكر تعالى صفة الغار الّذي آووا اليه و ان بابه موجه الى نحو الشمال و أعماقه الى جهة القبلة و ذلك أنفع الأماكن أن يكون المكان قبليا و بابه نحو الشمال فقال (وَ تَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ) و قرئ تزوّر (عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَ إِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ) فأخبر ان الشمس يعنى في زمن الصيف و أشباهه تشرق أول طلوعها في الغار في جانبه الغربي ثم تشرع في