البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٥ - قصة أصحاب الكهف
الخروج منه قليلا قليلا و هو ازورارها ذات اليمين فترتفع في جو السماء و تتقلص عن باب الغار ثم إذا تضيفت للغروب تشرع في الدخول فيه من جهته الشرقية قليلا قليلا الى حين الغروب كما هو المشاهد بمثل هذا المكان و الحكمة في دخول الشمس اليه في بعض الأحيان أن لا يفسد هواؤه (وَ هُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ) أي بقاؤهم على هذه الصفة دهرا طويلا من السنين لا يأكلون و لا يشربون و لا تتغذى أجسادهم في هذه المدة الطويلة من آيات اللَّه و برهان قدرته العظيمة (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ) قال بعضهم لان أعينهم مفتوحة لئلا تفسد بطول الغمض (وَ نُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَ ذاتَ الشِّمالِ) قيل في كل عام يتحولون مرة من جنب الى جنب و يحتمل أكثر من ذلك فاللَّه أعلم (وَ كَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) قال شعيب الجبائي اسم كلبهم حمران و قال غيره الوصيد اسكفة الباب. و المراد أن كلبهم الّذي كان معهم و صحبهم حال انفرادهم من قومهم لزمهم و لم يدخل معهم في الكهف بل ربض على بابه و وضع يديه على الوصيد و هذا من جملة أدبه و من جملة ما أكرموا به فان الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب و لما كانت التبعية مؤثرة حتى كان في كلب هؤلاء صار باقيا معهم ببقائهم لأن من أحب قوما سعد بهم فإذا كان هذا في حق كلب فما ظنك بمن تبع أهل الخير و هو أهل للإكرام. و قد ذكر كثير من القصاص و المفسرين لهذا الكلب نبأ و خبرا طويلا أكثره متلقى من الإسرائيليات و كثير منها كذب و مما لا فائدة فيه كاختلافهم في اسمه و لونه.
و اما اختلاف العلماء في محلة هذا الكهف فقال كثيرون هو بأرض ايلة. و قيل بأرض نينوى. و قيل بالبلقاء و قيل ببلاد الروم و هو أشبه و اللَّه أعلم. و لما ذكر اللَّه تعالى ما هو الانفع من خبرهم و الأهم من أمرهم و وصف حالهم حتى كأن السامع راء و المخبر مشاهد لصفة كهفهم و كيفيتهم في ذلك الكهف و تقلبهم من جنب الى جنب و ان كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد. قال (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً) أي لما عليهم من المهابة و الجلالة في أمرهم الّذي صاروا اليه و لعل الخطاب هاهنا لجنس الإنسان المخاطب لا بخصوصية الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كقوله (فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ) أي أيها الإنسان و ذلك لان طبيعة البشرية تفر من رؤية الأشياء المهيبة غالبا و لهذا قال (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً) و دل على أن الخبر ليس كالمعاينة كما جاء في الحديث لان الخبر قد حصل و لم يحصل الفرار و لا الرعب. ثم ذكر تعالى انه بعثهم من رقدتهم بعد نومهم بثلاثمائة سنة و تسع سنين فلما استيقظوا قال بعضهم لبعض كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) أي بدراهمكم هذه يعنى التي معهم الى المدينة و يقال كان اسمها دفسوس (فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً) أي أطيب مالا (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) أي بطعام تأكلونه و هذا من زهدهم