البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٨ - قصة خزاعة و خبر عمرو بن لحي و عبادة الأصنام بأرض العرب
فلما قدم مآب من أرض البلقاء و بها يومئذ العماليق و هم ولد عملاق و يقال ولد عمليق بن لاوذ بن سام ابن نوح رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا و نستنصرها فتنصرنا. فقال: لهم ألا تعطوني منها صنما فاسير به الى أرض العرب فيعبدونه. فأعطوه صنما يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه و أمر الناس بعبادته و تعظيمه.
قال ابن إسحاق: و يزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بنى إسماعيل (عليه السلام) أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم و التمسوا الفسح في البلاد الا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيث ما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة و أعجبهم حتى خلفت الخلوف و نسوا ما كانوا عليه.
و في الصحيح عن أبى رجاء العطاردي. قال: كنا في الجاهلية إذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من التراب و جئنا بالشاة فحلبناها عليه ثم طفنا بها.
قال ابن إسحاق: و استبدلوا بدين إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام) غيره فعبدوا الأوثان و صاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات و فيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم (عليه السلام) يتمسكون بها من تعظيم البيت و الطواف به و الحج و العمرة و الوقوف على عرفات و المزدلفة و هدى البدن و الإهلال بالحج و العمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه. فكانت كنانة و قريش إذا هلوا قالوا: لبيك اللَّهمّ لبيك.
لبيك لا شريك لك، الا شريكا هو لك، تملكه و ما ملك. فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم و يجعلون ملكها بيده. يقول اللَّه تعالى لمحمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم): (وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ) أي ما يوحدونني لمعرفة حقي الا جعلوا معى شريكا من خلقي.
و قد ذكر السهيليّ و غيره: أن أول من لبى هذه التلبية عمرو بن لحي و أن إبليس تبدي له في صورة شيخ فجعل يلقنه ذلك فيسمع منه و يقول كما يقول و اتبعه العرب في ذلك.
و ثبت
في الصحيح أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان إذا سمعهم يقولون لبيك لا شريك لك يقول: قد قد أي حسب حسب.
و قد قال البخاري ثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا يحيى بن آدم ثنا إسرائيل عن أبى حفص عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال: إن أول من سيب السوائب و عبد الأصنام، أبو خزاعة عمرو ابن عامر و إني رأيته يجر أمعاءه في النار.
تفرد به احمد من هذا الوجه. و هذا يقتضي أن عمرو بن لحي هو أبو خزاعة الّذي تنسب اليه القبيلة بكمالها كما زعمه بعضهم من أهل النسب فيما حكاه ابن إسحاق و غيره و لو تركنا مجرد هذا لكان ظاهرا في ذلك بل كالنص و لكن قد جاء ما يخالفه من بعض الوجوه فقال البخاري و قال أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهري. قال سمعت سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس- و السائبة- التي كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها