البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٥ - فصل
إسلامه. فذكر قصة طويلة و ذكر أنه كان من رامهرمز و كان له أخ أكبر منه غنى و كان سلمان فقيرا في كنف أخيه، و أن ابن دهقانها كان صاحبا له و كان يختلف معه إلى معلم لهم و أنه كان يختلف ذلك الغلام إلى عباد من النصارى في كهف لهم فسأله سلمان أن يذهب به معه اليهم فقال له إنك غلام و أخشى أن تنم عليهم فيقتلهم أبى، فالتزم له أن لا يكون منه شيء يكرهه فذهب به معه فإذا هم ستة- أو سبعة- كأن الروح قد خرجت منهم من العبادة يصومون النهار و يقومون الليل يأكلون الشجر و ما وجدوا فذكر عنهم أنهم يؤمنون بالرسل المتقدمين و أن عيسى عبد اللَّه و رسوله و ابن أمته أيده بالمعجزات. و قالوا له يا غلام إن لك ربا و إن لك معادا و إن بين يديك جنة و نارا و إن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر و ضلالة لا يرضى اللَّه بما يصنعون و ليسوا على دينه. ثم جعل يتردد مع ذلك الغلام اليهم ثم لزمهم سلمان بالكلية ثم أجلاهم ملك تلك البلاد و هو أبو ذلك الغلام الّذي صحبه سلمان اليهم عن أرضه و احتبس الملك ابنه عنده و عرض سلمان دينهم على أخيه الّذي هو أكبر منه فقال إني مشتغل بنفسي في طلب المعيشة فارتحل معهم سلمان حتى دخلوا كنيسة الموصل فسلم عليهم أهلها ثم أرادوا أن يتركوني عندهم فأبيت الا صحبتهم فخرجوا حتى أتوا واديا بين جبال فتحدر اليهم رهبان تلك الناحية يسلمون عليهم و اجتمعوا اليهم و جعلوا يسألونهم عن غيبتهم عنهم و يسألونهم عنى فيثنون على خيرا، و جاء رجل معظم فيهم فخطبهم فأثنى على اللَّه بما هو أهله و ذكر الرسل و ما أيدوا به و ذكر عيسى بن مريم و أنه كان عبد اللَّه و رسوله و أمرهم بالخير و نهاهم عن الشر، ثم لما أرادوا الانصراف تبعه سلمان و لزمه قال فكان يصوم النهار و يقوم الليل من الأحد إلى الأحد فيخرج اليهم و يعظهم و يأمرهم و ينهاهم فمكث على ذلك مدة طويلة، ثم أراد أن يزور بيت المقدس فصحبه سلمان اليه قال فكان فيما يمشى يلتفت الى و يقبل على فيعظنى و يخبرني أن لي ربا و أن بين يدي جنة و نارا و حسابا و يعلمني و يذكرني نحو ما كان يذكر القوم يوم الأحد
قال فيما يقول لي: يا سلمان إن اللَّه سوف يبعث رسولا اسمه احمد يخرج من تهامة يأكل الهدية و لا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم [النبوة] و هذا زمانه الّذي يخرج فيه قد تقارب فاما أنا فانى شيخ كبير و لا أحسبنى أدركه فان أدركته أنت فصدقه و اتبعه، قلت له و إن أمرنى بترك دينك و ما أنت عليه قال و إن أمرك فان الحق فيما يجيئ به و رضى الرحمن فيما قال. ثم ذكر قدومهما إلى بيت المقدس و أن صاحبه صلّى فيه هاهنا و هاهنا ثم نام و قد أوصاه أنه إذا بلغ الظل مكان كذا أن يوقظه فتركه سلمان حينا آخر أزيد مما قال ليستريح، فلما استيقظ ذكر اللَّه و لام سلمان على ترك ما أمره من ذلك ثم خرجا من بيت المقدس فسأله مقعد فقال يا عبد اللَّه سألتك حين وصلت فلم تعطني شيئا و ها أنا أسألك فنظر فلم يجد أحدا فأخذ بيده و قال قم بسم اللَّه فقام و ليس به بأس و لا قلبة [١] كأنما نشط من عقال. فقال لي يا عبد اللَّه
[١] القلبة محركة: داء و ألم من علة.