البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧ - * قصة شمويل (عليه السلام) و فيها بدأ أمر داود (عليه السلام)
قال عكرمة و السدي كان سقاء و قال وهب بن منبه كان دباغا. و قيل غير ذلك فاللَّه أعلم و لهذا (قالُوا (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ) و قد ذكروا أن النبوة كانت في سبط لاوى و أن الملك كان في سبط يهوذا فلما كان هذا من سبط بنيامين نفروا منه و طعنوا في إمارته عليهم و قالوا نحن أحق بالملك منه و ذكروا أنه فقير لا سعة من المال معه فكيف يكون مثل هذا ملكا.
(قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ). قيل كان اللَّه قد أوحى إلى شمويل أن أيّ بنى إسرائيل كان طوله على طول هذه العصا و إذا حضر عندك يفور هذا القرن الّذي فيه من دهن القدس فهو ملكهم فجعلوا يدخلون و يقيسون أنفسهم بتلك العصا فلم يكن أحد منهم على طولها سوى طالوت و لما حضر عند شمويل فار ذلك القرن فدهنه منه و عينه الملك عليهم و قال لهم (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ) قيل في أمر الحروب و قيل بل مطلقا (وَ الْجِسْمِ) قيل الطول و قيل الجمال و الظاهر من السياق أنه كان أجملهم و أعلمهم بعد نبيهم (عليه السلام) (وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ) فله الحكم و له الخلق و الأمر (وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَ آلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) و هذا أيضا من بركة ولاية هذا الرجل الصالح عليهم و يمنه عليهم أن يرد اللَّه عليهم التابوت الّذي كان سلب منهم و قهرهم الأعداء عليه و قد كانوا ينصرون على أعدائهم بسببه (فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) قيل طشت من ذهب كان يغسل فيه صدور الأنبياء. و قيل السكينة مثل الريح الخجوج. و قيل صورتها مثل الهرة إذا صرخت في حال الحرب أيقن بنو إسرائيل بالنصر (وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَ آلُ هارُونَ) قيل كان فيه رضاض الألواح و شيء من المن الّذي كان نزل عليهم بالتيه (تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ) أي تأتيكم به الملائكة يحملونه و أنتم ترون ذلك عيانا ليكون آية للَّه عليكم و حجة باهرة على صدق ما أقوله لكم و على صحة ولاية هذا الملك الصالح عليكم و لهذا قال (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) و قيل إنه لما غلب العمالقة على هذا التابوت و كان فيه ما ذكر من السكينة و البقية المباركة. و قيل كان فيه التوراة أيضا فلما استقر في أيديهم وضعوه تحت صنم لهم بأرضهم فلما أصبحوا إذا التابوت على رأس الصنم فوضعوه تحته فلما كان اليوم الثاني إذا التابوت فوق الصنم فلما تكرر هذا علموا أن هذا أمر من اللَّه تعالى فأخرجوه من بلدهم و جعلوه في قرية من قراهم فأخذهم داء في رقابهم فلما طال عليهم هذا جعلوه في عجلة و ربطوها في بقرتين و أرسلوهما فيقال إن الملائكة ساقتهما حتى جاءوا بهما ملأ بنى إسرائيل و هم ينظرون كما أخبرهم نبيهم بذلك فاللَّه أعلم على أي صفة جاءت به الملائكة و الظاهر أن الملائكة كانت تحمله بأنفسهم كما هو المفهوم بالجنود من الآية و اللَّه أعلم* و إن كان الأول قد ذكره كثير من المفسرين أو أكثرهم (فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ (بِالْجُنُودِ) قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ).