البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠١ - فصل في تجديد قريش بناء الكعبة قبل المبعث بخمس سنين
ذهبت الحية في السماء و تغببت عنهم و رأوا ان ذلك من اللَّه عز و جل. قال: و يقول بعض الناس إنه اختطفها طائر و ألقاها نحو أجياد.
و قال محمد بن إسحاق بن يسار: فلما بلغ رسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خمسا و ثلاثين سنة اجتمعت قريش لبناء الكعبة و كانوا يهمون بذلك ليسقفوها و يهابون هدمها. و إنما كانت رضما فوق القامة. فأرادوا رفعها و تسقيفها و ذلك ان نفرا سرقوا كنز الكعبة، و انما كان في بئر في جوف الكعبة. و كان الّذي وجد عنده الكنز دويك مولى لبني مليح بن عمرو بن خزاعة. فقطعت قريش يده و تزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك. و كان البحر قد رمى بسفينة الى جدة لرجل من تجار الروم. فتحطمت. فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها. قال الأموي: كانت هذه السفينة لقيصر ملك الروم تحمل آلات البناء من الرخام و الخشب و الحديد سرحها قيصر مع باقوم الرومي الى الكنيسة التي أحرقها الفرس للحبشة فلما بلغت مرساها من جدة بعث اللَّه عليها ريحا فحطمتها.
قال ابن إسحاق: و كان بمكة رجل قبطى نجار فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها. و كانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت تطرح فيها ما يهدى اليها كل يوم. فتشرف على جدار الكعبة و كانت مما يهابون، و ذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألت [١] و كشت و فتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينما هي يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع، بعث اللَّه عليها طائرا فاختطفها فذهب بها. فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون اللَّه تعالى قد رضى ما أردنا، عندنا عامل رقيق و عندنا خشب و قد كفانا اللَّه الحية.
و حكى السهيليّ: عن رزين أن سارقا دخل الكعبة في أيام جرهم ليسرق كنزها. فانهار البئر عليه حتى جاءوا فأخرجوه و أخذوا منه ما كان أخذه، ثم سكنت هذا البئر حية رأسها كرأس الجدي و بطنها أبيض و ظهرها أسود فأقامت فيها خمسمائة عام و هي التي ذكرها محمد بن إسحاق.
قال محمد بن إسحاق: فلما أجمعوا أمرهم لهدمها و بنيانها قام أبو وهب عمرو بن عائد بن عبد بن عمران بن مخزوم- و قال ابن هشام عائد بن عمران بن مخزوم- فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه. فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا. لا يدخل فيها مهر بغى و لا بيع ربا، و لا مظلمة أحد من الناس- و الناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة ابن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم. ثم رجح ابن إسحاق أن قائل ذلك أبو وهب بن عمرو- قال و كان خال أبى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كان شريفا ممدحا.
و قال ابن إسحاق: ثم ان قريشا تجزأت الكعبة. فكان شق الباب لبني عبد مناف و زهرة، و ما
[١] احزألت: أي اجتمعت تريد الوثوب.