البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٣ - فصل في تجديد قريش بناء الكعبة قبل المبعث بخمس سنين
ذو بكة، صنعتها يوم صنعت الشمس و القمر و حففتها بسبعة أملاك حنفاء، و باركت لأهلها في اللحم و اللبن و في الصفح الثاني: إني أنا اللَّه ذو بكة، خلقت الرحم و شققت لها من اسمى. فمن وصلها وصلته و من قطعها بتته، و في الصفح الثالث: إني أنا اللَّه ذو بكة، خلقت الخير و الشر و قدرته. فطوبى لمن أجريت الخير على يديه و ويل لمن أجريت الشر على يديه.
قال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة. ثم بنوها حتى بلغ البناء موضع الركن. فاختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى.
حتى تحاوروا أو تحالفوا، و أعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما. ثم تعاقدوا هم و بنو عدي ابن كعب بن لؤيّ على الموت، و أدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة. فسموا لعقة الدم. فمكشت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا ثم انهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا و تناصفوا. فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم- و كان عامئذ أسن قريش كلها قال:
يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضى بينكم فيه.
ففعلوا. فكان أول داخل دخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد.
فلما انتهى اليهم و أخبروه الخبر قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «هلموا إلى ثوبا» فأتى به و أخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال «لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب. ثم ارفعوه جميعا» ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده (صلّى اللَّه عليه و سلّم). ثم بنى عليه. و كانت قريش تسمى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الأمين.
و قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد حدثنا ثابت- يعنى أبا يزيد- حدثنا هلال يعنى ابن حبان عن مجاهد عن مولاه- و هو السائب بن عبد اللَّه- انه حدثه انه كان فيمن بنى الكعبة في الجاهلية قال:
و كان لي حجر- انا نحته أعبده من دون اللَّه- قال: و كنت أجيء باللبن الخاثر الّذي آنفه على نفسي فأصبه عليه فيجيء الكلب فيلحسه ثم يشغر فيبول عليه قال: فبنينا حتى بلغنا موضع الحجر و لا يرى الحجر أحد. فإذا هو وسط أحجارنا مثل رأس الرجل يكاد يترايا منه وجه الرجل. فقال بطن من قريش: نحن نضعه و قال آخرون نحن نضعه. فقالوا اجعلوا بينكم حكما. فقالوا أول رجل يطلع من الفج. فجاء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقالوا أتاكم الأمين. فقالوا له فوضعه في ثوب. ثم دعا بطونهم فرفعوا نواحيه فوضعه هو (صلّى اللَّه عليه و سلّم).
قال ابن إسحاق: و كانت الكعبة على عهد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثماني عشرة ذراعا و كانت تكسى القباطي.
ثم كسيت بعد البرور. و أول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف.
قلت: و قد كانوا أخرجوا منها الحجر- و هو ستة أذرع أو سبعة أذرع من ناحية الشام- قصرت بهم النفقة أي لم يتمكنوا أن يبنوه على قواعد إبراهيم. و جعلوا للكعبة بابا واحدا من ناحية الشرق. و جعلوه