البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٤ - فصل في تجديد قريش بناء الكعبة قبل المبعث بخمس سنين
مرتفعا لئلا يدخل اليها كل أحد فيدخلوا من شاءوا و يمنعوا من شاءوا و قد ثبت
في الصحيحين عن عائشة رضى اللَّه عنها ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لها: «أ لم ترى أن قومك قصرت بهم النفقة. و لو لا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة و جعلت لها بابا شرقيا و بابا غربيا، و أدخلت فيها الحجر»
و لهذا لما تمكن ابن الزبير بناها على ما أشار اليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و جاءت في غاية البهاء و الحسن و السناء كاملة على قواعد الخليل.
لها بابان ملتصقان بالأرض شرقيا و غربيا. يدخل الناس من هذا و يخرجون من الآخر. فلما قتل الحجاج ابن الزبير كتب الى عبد الملك بن مروان- و هو الخليفة يومئذ- فيما صنعه ابن الزبير و اعتقدوا انه فعل ذلك من تلقاء نفسه. فامر بإعادتها الى ما كانت عليه فعمدوا الى الحائط الشامي فحصوه و اخرجوا منه الحجر و رصوا حجارته في أرض الكعبة. فارتفع باباها و سدوا الغربي و استمر الشرقي على ما كان عليه فلما كان في زمن المهدي- أو ابنه المنصور- استشار مالكا في إعادتها على ما كان صنعه ابن الزبير. فقال مالك (رحمه اللَّه): إني اكره أن يتخذها الملوك ملعبة. فتركها على ما هي عليه. فهي الى الآن كذلك.
و أما المسجد الحرام: فأول من أخر البيوت من حول الكعبة عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه، اشتراها من أهلها و هدمها فلما كان عثمان اشترى دورا و زادها فيه. فلما ولى ابن الزبير أحكم بنيانه، و حسن جدرانه و أكثر أبوابه. و لم يوسعه شيئا آخر. فلما استبد بالأمر عبد الملك بن مروان زاد في ارتفاع جدرانه و امر بالكعبة فكسيت الديباج. و كان الّذي تولى ذلك بامره الحجاج بن يوسف. و قد ذكرنا قصة بناء البيت و الأحاديث الواردة في ذلك في تفسير سورة البقرة عند قوله (وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ) و ذكرنا ذلك مطولا مستقصى فمن شاء كتبه هاهنا و للَّه الحمد و المنة.
قال ابن إسحاق: فلما فرغوا من البنيان و بنوها على ما أرادوا قال الزبير بن عبد المطّلب، فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها:
عجبت لما تصوبت العقاب* * * الى الثعبان و هي لها اضطراب
و قد كانت تكون لها كشيش* * * و أحيانا يكون لها وثاب
إذا قمنا الى التأسيس شدت* * * تهيبنا البناء و قد نهاب
فلما ان خشينا الزجر جاءت* * * عقاب تتلئب لها انصباب
فضمتها اليها ثم خلت* * * لنا البنيان ليس لها حجاب
فقمنا حاشدين الى بناء* * * لنا منه القواعد و التراب
غداة يرفع التأسيس منه* * * و ليس على مساوينا ثياب
أعز به المليك بنى لؤيّ* * * فليس لأصله منهم ذهاب
و قد حشدت هناك بنو عدي* * * و مرة قد تقدمها كلاب