البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٢ - فصل
لم أحب شيئا قبله مثله. قال فأقمت معه زمانا ثم حضرته الوفاة فقلت له إني قد كنت معك و أحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك و قد حضرك ما ترى من أمر اللَّه تعالى فإلى من توصي بى؟ و بم تأمرنى به؟ قال أي بنى و اللَّه ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه. لقد هلك الناس و بدلوا و تركوا أكثر ما كانوا عليه الا رجلا بالموصل و هو فلان و هو على ما كنت عليه فالحق به. قال فلما مات و غيب لحقت بصاحب الموصل. فقلت يا فلان إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك و أخبرنى أنك على أمره، فقال لي أقم عندي. فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة قلت له يا فلان إن فلانا أوصى بى إليك و أمرنى باللحوق بك و قد حضرك من أمر اللَّه ما ترى فإلى من توصي بى و بم تأمرنى؟ قال يا بنى و اللَّه ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه الا رجلا بنصيبين و هو فلان فالحق به، فلما مات و غيب لحقت بصاحب نصيبين فأخبرته خبري و ما أمرنى به صاحباي. فقال أقم عندي فأقمت عنده. فوجدته على أمر صاحبيه فأقمت مع خير رجل، فو اللَّه ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر قلت له يا فلان ان فلانا كان أوصى بى الى فلان ثم أوصى بى فلان الى فلان ثم أوصى بى فلان إليك فإلى من توصي بى و بم تأمرنى؟ قال يا بنى و اللَّه ما أعلمه بقي أحد على أمرنا آمرك ان تأتيه الا رجل بعمورية من أرض الروم فإنه على مثل ما نحن عليه.
فان أحببت فائته فإنه على أمرنا. فلما مات و غيب لحقت بصاحب عمّورية فأخبرته خبري فقال أقم عندي فأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه و أمرهم. قال و اكتسبت حتى كانت لي بقرات و غنيمة، قال ثم نزل به أمر اللَّه فلما حضر قلت له يا فلان انى كنت مع فلان فاوصى بى الى فلان ثم أوصى بى فلان الى فلان ثم أوصى بى فلان الى فلان. ثم أوصى بى فلان إليك فإلى من توصي بى و بم تأمرنى؟ قال أي بنى، و اللَّه ما أعلم أصبح أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك ان تأتيه، و لكنه قد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجره الى الأرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى يأكل الهدية و لا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة فان استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. قال ثم مات و غيب و مكثت بعمورية ما شاء اللَّه أن أمكث. ثم مر بى نفر من كلب تجار فقلت لهم احملوني الى أرض العرب و أعطيكم بقراتي هذه و غنيمتي هذه قالوا نعم فاعطيتهموها و حملونى معهم حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني فباعونى من رجل يهودي عبدا، فكنت عنده و رأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الّذي وصف لي صاحبي، و لم يحق في نفسي. فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بنى قريظة من المدينة، فابتاعني منه فاحتملني الى المدينة، فو اللَّه ما هو الا ان رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي لها، فأقمت بها
و بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأقام بمكة ما أقام و لا أسمع له بذكر مما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر الى المدينة فو اللَّه انى لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل. و سيدي جالس تحتى إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال يا فلان قاتل اللَّه بنى قيلة. و اللَّه إنهم لمجتمعون الآن بقباء على