البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٣ - * بيان شجرة طوبى ما هي
بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلًا وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَ تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَ إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَ اشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ يذكره تعالى بنعمته عليه و إحسانه اليه في خلقه إياه من غير أب بل من أم بلا ذكر و جعله له آية للناس و دلالة على كمال قدرته تعالى ثم إرساله بعد هذا كله (وَ عَلى والِدَتِكَ) في اصطفائها و اختيارها لهذه النعمة العظيمة و اقامة البرهان على براءتها مما نسبها اليه الجاهلون و لهذا قال (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ) و هو جبريل بإلقاء روحه الى أمه و قرنه معه في حال رسالته و مدافعته عنه لمن كفر به (تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلًا) أي تدعو الناس الى اللَّه في حال صغرك في مهدك و في كهولتك وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ أي الخط و الفهم نص عليه بعض السلف وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ و قوله وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي أي تصوره و تشكله من الطين على هيئته عن أمر اللَّه له بذلك فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي أي بأمري يؤكد تعال بذكر الاذن له في ذلك لرفع التوهم و قوله وَ تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ قال بعض السلف و هو الّذي يولد أعمى و لا سبيل لأحد من الحكماء الى مداواته وَ الْأَبْرَصَ هو الّذي لا طب فيه بل قد مرض بالبرص و صار داؤه عضالا وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى أي من قبورهم أحياء بإذني و قد تقدم ما فيه دلالة على وقوع ذلك مرارا متعددة مما فيه كفاية. و قوله وَ إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ و ذلك حين أرادوا صلبه فرفعه اللَّه اليه و أنقذه من بين أظهرهم صيانة لجنابة الكريم عن الأذى و سلامة له من الردى و قوله وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَ اشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ قيل المراد بهذا الوحي وحي الهام أي أرشدهم اللَّه اليه و دلهم عليه كما قال وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِ و قيل المراد وحي بواسطة الرسول و توفيق في قلوبهم لقبول الحق و لهذا استجابوا قائلين آمَنَّا وَ اشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ و هذا من جملة نعم اللَّه على عبده و رسوله عيسى بن مريم أن جعل له أنصارا و أعوانا ينصرونه و يدعون معه الى عبادة اللَّه وحده لا شريك له كما قال تعالى لعبده محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ و قال تعالى وَ يُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي