البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٧ - فصل
يريد من كرامته و رسالته حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة، و أحسنهم خلقا و أكرمهم حسبا، و أحسنهم جوارا، و أعظمهم حلما، و أصدقهم حديثا، و أعظمهم أمانة، و أبعدهم من الفحش و الأخلاق التي تدنس الرجال تنزها و تكرما، حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين، لما جمع اللَّه فيه من الأمور الصالحة و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيما ذكر لي يحدث عما كان اللَّه يحفظه به في صغره و أمر جاهليته أنه
قال: «لقد رأيتني في غلمان من قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب الغلمان، كلنا قد تعرى و أخذ إزاره و جعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فانى لأقبل معهم كذلك و أدبر إذ لكمني لاكم ما أراه لكمة وجيعة، ثم قال شد عليك إزارك. قال فأخذته فشددته على، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي و إزاري على من بين أصحابى».
و هذه القصة شبيهة بما في الصحيح عند بناء الكعبة حين كان ينقل هو و عمه العباس فان لم تكنها فهي متقدمة عليها كالتوطئة لها و اللَّه أعلم.
قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج أخبرنى عمرو بن دينار أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: لما بنيت الكعبة ذهب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينقل الحجارة. فقال العباس لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة ففعل فخر إلى الأرض و طمحت عيناه إلى السماء، ثم قام فقال: «إزاري» فشد عليه إزاره
أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق. و أخرجاه أيضا من حديث روح بن عبادة عن زكريا بن أبي إسحاق عن عمرو بن دينار عن جابر بنحوه.
و قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ و أبو سعيد بن أبى عمرو قالا أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني حدثنا محمد بن بكير الحضرميّ حدثنا عبد الرحمن بن عبد اللَّه الدشتكي حدثنا عمرو بن أبى قيس عن سماك عن عكرمة حدثني ابن عباس عن أبيه أنه كان ينقل الحجارة إلى البيت حين بنت قريش البيت، قال و أفردت قريش رجلين رجلين، الرجال ينقلون الحجارة، و كانت النساء تنقل الشيد. قال فكنت أنا و ابن أخى و كنا نحمل على رقابنا و أزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا الناس ائتزرنا. فبينما أنا أمشى و محمد أمامى قال فخر و انبطح على وجهه، فجئت أسعى و ألقيت حجري و هو ينظر إلى السماء فقلت ما شأنك؟ فقام و أخذ إزاره قال «إني نهيت أن أمشى عريانا».
قال و كنت أكتمها من الناس مخافة أن يقولوا مجنون.
و روى البيهقي من حديث يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن عبد اللَّه بن قيس بن مخرمة عن الحسن بن محمد بن على بن أبى طالب عن أبيه عن جده على بن أبى طالب. قال سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول «ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء الا ليلتين كلتاهما عصمنى اللَّه عز و جل فيهما. قلت ليلة لبعض فتيان مكة- و نحن في رعاء غنم أهلها- فقلت لصاحبي أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة أسمر فيها كما يسمر الفتيان فقال بلى. قال فدخلت حتى جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا بالغرابيل و المزامير فقلت ما هذا