البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨ - قصة سليمان بن داود (عليهما السلام)
و أما القطر فقال ابن عباس و مجاهد و عكرمة و قتادة و غير واحد هو النحاس قال قتادة و كانت باليمن أنبعها اللَّه له قال السدي ثلاثة أيام فقط أخذ منها جميع ما يحتاج اليه للبنايات و غيرها و قوله (وَ مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ مَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ) أي و سخر اللَّه له من الجن عمالا يعملون له ما يشاء لا يفترون و لا يخرجون عن طاعته و من خرج منهم عن الأمر عذبه و نكل به يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ و هي الأماكن الحسنة و صدور المجالس (وَ تَماثِيلَ) و هي الصور في الجدران و كان هذا سائغا في شريعتهم و ملتهم (وَ جِفانٍ كَالْجَوابِ). قال ابن عباس الجفنة كالجوبة من الأرض و عنه كالحياض و كذا قال مجاهد و الحسن و قتادة و الضحاك و غيرهم و على هذه الرواية يكون الجواب جمع جابية و هي الحوض الّذي يجبى فيه الماء كما قال الأعشى.
تروح على آل المحلق جفنة* كجابية الشيخ العراقي يفهق و أما القدور الراسيات فقال عكرمة أثافيها منها يعنى أنهن ثوابت لا يزلن عن أماكنهن و هكذا قال مجاهد و غير واحد و لما كان هذا بصدد إطعام الطعام و الإحسان الى الخلق من إنسان و جان قال تعالى اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ و قال تعالى وَ الشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ يعنى أن منهم من قد سخره في البناء و منهم من يأمره بالغوص في الماء لاستخراج ما هنالك من الجواهر و اللآلي و غير ذلك مما لا يوجد الا هنالك و قوله (وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ) أي قد عصوا فقيدوا مقرنين اثنين اثنين في الأصفاد و هي القيود. هذا كله من جملة ما هيأه اللَّه و سخر له من الأشياء التي هي من تمام الملك الّذي لا ينبغي لأحد من بعده و لم يكن أيضا لمن كان قبله و قد
قال البخاري ثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن محمد بن زياد عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال إن عفريتا من الجن تفلت على البارحة ليقطع على صلاتي فأمكننى اللَّه منه فأخذته فأردت أن أربطه الى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا اليه كلكم فذكرت دعوة أخى سليمان (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فرددته خاسئا).
و كذا
رواه مسلم و النسائي من حديث شعبة و قال مسلم حدثنا محمد بن سلمة المرادي حدثنا عبد اللَّه بن وهب عن معاوية بن صالح حدثني ربيعة بن يزيد عن أبى إدريس الخولانيّ عن أبى الدرداء قال قام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فصلى فسمعناه يقول أعوذ باللَّه منك ألعنك بلعنة اللَّه ثلاثا و بسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول اللَّه سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك و رأيناك بسطت يدك قال إن عدو اللَّه إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت أعوذ باللَّه منك ثلاث مرات ثم قلت ألعنك بلعنة اللَّه التامة فلم يستأخر ثلاث مرات. ثم أردت أخذه و اللَّه لو لا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة.
و كذا رواه النسائي عن محمد بن سلمة به.
و قال احمد حدثنا أبو احمد حدثنا مرة بن معبد ثنا أبو عبيد