البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥ - قصة سليمان بن داود (عليهما السلام)
و قال تعالى في سورة ص وَ وَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ. وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ. قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ. وَ الشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ. هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ. يذكر تعالى أنه وهب لداود سليمان (عليهما السلام) ثم أثنى اللَّه عليه تعالى فقال (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) أي رجاع مطيع للَّه. ثم ذكر تعالى ما كان من أمره في الخيل الصافنات و هي التي تقف على ثلاث و طرف حافر الرابعة. الجياد و هي المضمرة السراع (فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ) يعنى الشمس. و قيل الخيل على ما سنذكره من القولين. (رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ) قيل مسح عراقيبها و أعناقها بالسيوف. و قيل مسح عنها العرق لما أجراها و سابق بينها و بين يديه على القول الآخر* و الّذي عليه أكثر السلف الأول فقالوا اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر و غربت الشمس روى هذا عن على بن أبى طالب و غيره و الّذي يقطع به أنه لم يترك الصلاة عمدا من غير عذر اللَّهمّ الا أن يقال إنه كان سائغا في شريعتهم فأخر الصلاة لأجل أسباب الجهاد و عرض الخيل من ذلك* و قد ادعى طائفة من العلماء في تأخير النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صلاة العصر يوم الخندق أن هذا كان مشروعا إذ ذاك حتى نسخ بصلاة الخوف قاله الشافعيّ و غيره.
و قال مكحول و الأوزاعي بل هو حكم محكم الى اليوم أنه يجوز تأخيرها بعذر القتال الشديد كما ذكرنا تقرير ذلك في سورة النساء عند صلاة الخوف. و قال آخرون بل كان تأخير النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صلاة العصر يوم الخندق نسيانا و على هذا فيحمل فعل سليمان (عليه السلام) على هذا و اللَّه أعلم. و اما من قال الضمير في قوله حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ عائد على الخيل و انه لم تفته وقت صلاة و ان المراد بقوله (رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ) يعنى مسح العرق عن قراقيبها و أعناقها فهذا القول اختاره ابن جرير و رواه الوالبي عن ابن عباس في مسح العرق* و وجه هذا القول ابن جرير بأنه ما كان ليعذب الحيوان بالعرقبة و يهلك مالا بلا سبب و لا ذنب لها و هذا الّذي قاله فيه نظر لانه قد يكون هذا سائغا في ملتهم و قد ذهب بعض علمائنا الى أنه إذا خاف المسلمون أن يظفر الكفار على شيء من الحيوانات من أغنام و نحوها جاز ذبحها و اهلاكها لئلا يتقووا بها و عليه حمل صنيع جعفر بن أبى طالب يوم عقر فرسه بموته و قد قيل إنها كانت خيلا عظيمة. قيل كانت عشرة آلاف فرس. و قيل عشرين ألف فرس. و قيل كان فيها عشرون فرسا من ذوات الاجنحة. و قد
روى أبو داود في سننه حدثنا محمد بن عوف حدثنا سعيد ابن أبى مريم أنبأنا يحيى بن أيوب حدثني عمارة بن عزية أن محمد بن إبراهيم حدثه عن محمد بن أبى سلمة