البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤ - * قصة داود (عليه السلام) و ما كان في أيامه و ذكر فضائله و شمائله و دلائل نبوته و اعلامه
رأيت فيما يرى النائم كأنى أصلى خلف شجرة فقرأت السجدة فسجدت الشجرة بسجودى فسمعتها تقول و هي ساجدة (اللَّهمّ اكتب لي بها عندك أجرا و اجعلها لي عندك ذخرا وضع عنى بها وزرا و اقبلها منى كما قبلت من عبدك داود) و قال ابن عباس فرأيت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول و هو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة. ثم قال الترمذي غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه.
و قد ذكر بعض المفسرين أنه (عليه السلام) مكث ساجدا أربعين يوما و قاله مجاهد و الحسن و غيرهما و ورد في ذلك حديث مرفوع لكنه من رواية يزيد الرقاشيّ و هو ضعيف متروك الرواية* قال اللَّه تعالى فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ. اى ان له يوم القيامة لزلفى و هي القربة التي يقربه اللَّه بها و يدنيه من حظيرة قدسه بسببها كما ثبت في حديث (المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن و كلتا يديه يمين الذين يقسطون في أهليهم و حكمهم و ما ولوا). و
قال الامام أحمد في مسندة حدثنا يحيى بن آدم حدثنا فضيل عن عطية عن أبى سعيد الخدريّ قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ان أحب الناس الى اللَّه يوم القيامة و أقربهم منه مجلسا امام عادل و ان أبغض الناس الى اللَّه يوم القيامة و أشدهم عذابا امام جائر و هكذا رواه الترمذي من حديث فضيل بن مرزوق الاغرّ به
و قال لا نعرفه مرفوعا الا من هذا الوجه و قال ابن أبى حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا عبد اللَّه بن أبى زياد حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان سمعت مالك بن دينار في قوله (وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ) قال يقوم داود (عليه السلام) يوم القيامة عند ساق العرش فيقول اللَّه يا داود مجدنى اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الّذي كنت تمجدني في الدنيا فيقول و كيف و قد سلبته فيقول انى أرده عليك اليوم قال فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ) هذا خطاب من اللَّه تعالى مع داود و المراد ولاة الأمور و حكام الناس و أمرهم بالعدل و التباع الحق المنزل من اللَّه لا ما سواه من الآراء و الاهواء و توعد من سلك غير ذلك و حكم بغير ذلك و قد كان داود (عليه السلام) هو المقتدى به في ذلك الوقت في العدل و كثرة العبادة و أنواع القربات حتى إنه كان لا يمضى ساعة من آناء الليل و أطراف النهار إلا و أهل بيته في عبادة ليلا و نهارا كما قال تعالى اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ قال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام حدثنا صالح المزي عن أبى عمران الجونى عن أبى الجلد قال قرأت في مسألة داود (عليه السلام) أنه قال يا رب كيف لي أن أشكرك و أنا لا أصل الى شكرك إلا بنعمتك قال فأتاه الوحي «أن يا داود أ لست تعلم أن الّذي بك من النعم منى قال بلى يا رب قال فانى أرضى بذلك منك» و قال البيهقي أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ أنبأنا أبو بكر بن بالويه حدثنا محمد بن يونس القرشي حدثنا روح بن عبادة حدثني عبد اللَّه ابن لاحق عن ابن