البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٤ - ذكر قس بن ساعدة الأيادي
فالذي قد ذكرت دل على الله* * * نفوسا لها هدى و اعتبار
قال فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): مهما نسيت فلست أنساه بسوق عكاظ، واقفا على جمل احمر يخطب الناس: اجتمعوا فاسمعوا، و إذا سمعتم فعوا، و إذا وعيتم فانتفعوا، و قولوا و إذا قلتم فاصدقوا، من عاش مات، و من مات فات، و كل ما هو آت آت، مطر و نبات، و احياء و أموات، ليل داج، و سماء ذات أبراج، و نجوم تزهر، و بحار تزخر، و ضوء و ظلام، و ليل و أيام، و بر و آثام، إن في السماء خبرا، و ان في الأرض عبرا، يحار فيهن البصرا، مهاد موضوع، و سقف مرفوع، و نجوم تغور، و بحار لا تفور، و منايا دوان، و دهر خوان، كحد النسطاس، و وزن القسطاس. اقسم قس قسما، لا كاذبا فيه و لا آثما، لئن كان في هذا الأمر رضى، ليكونن سخط. ثم قال: أيها الناس ان للَّه دينا هو أحب اليه من دينكم هذا الّذي أنتم عليه و هذا زمانه و أوانه. ثم قال ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، ارضوا بالمقام فأقاموا؟ أم تركوا فناموا. و التفت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): الى بعض أصحابه فقال: أيكم يروى شعره لنا؟ فقال أبو بكر الصديق: فداك أبى و أمى أنا شاهد له في ذلك اليوم حيث يقول:
في الذاهبين الأولين* * * من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا* * * للموت ليس لها مصادر
و رأيت قومي نحوها* * * يمضى الأصاغر و الأكابر
لا يرجع الماضي إليّ* * * و لا من الباقين غابر
أيقنت أنى لا محالة* * * حيث صار القوم صائر
قال: فقام الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شيخ من عبد القيس عظيم الهامة، طويل القامة، بعيد ما بين المنكبين فقال: فداك أبى و أمى و أنا رأيت من قس عجبا. فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): ما الّذي رأيت يا أخا بنى عبد القيس؟
فقال: خرجت في شبيبتى أربع بعيرا لي ندعنى أقفو أثره في تنائف قفاف ذات ضغابيس و عرصات جثجاث بين صدور جذعان، و غمير حوذان، و مهمه ظلمان، و رصيع ايهقان، فبينا أنا في تلك الفلوات أجول بسبسبها و ارنق فدفدها إذا أنا بهضبة في نشزاتها أراك كباث مخضوضلة و أغصانها متهدلة كأن بريرها حب الفلفل و بواسق اقحوان، و إذا بعين خرارة و روضة مدهامة، و شجرة عارمة، و إذا أنا بقس بن ساعدة في أصل تلك الشجرة و بيده قضيب. فدنوت منه و قلت له: أنعم صباحا! فقال: و أنت فنعم صباحك! و قد وردت العين سباع كثيرة فكان كلما ذهب سبع منها يشرب من العين قبل صاحبه ضربه قس بالقضيب الّذي بيده. و قال: اصبر حتى يشرب الّذي قبلك فذعرت من ذلك ذعرا شدائدا، و نظر الى فقال لا تخف. و إذا بقبرين بينهما مسجد فقلت ما هذان؟ القبران؟ قال قبرا أخوين كانا يعبدان اللَّه عز و جل بهذا الموضع فانا مقيم بين قبريهما عبد اللَّه حتى الحق بهما. فقلت له: أ فلا تلحق بقومك فتكون معهم في خيرهم و تباينهم على