البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٨ - قصة زكريا و يحيى (عليهما السلام)
و يقال فيه زكريا بالمد و بالقصر و يقال زكري أيضا.
و المقصود ان اللَّه تعالى أمر رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يقص على الناس خبر زكريا (عليه السلام) و ما كان من أمره حين وهبه اللَّه ولدا على الكبر و كانت امرأته عاقرا في حال شبيبتها و قد أسنت أيضا حتى لا ييئس أحد من فضل اللَّه و رحمته و لا يقنط من فضله تعالى و تقدس فقال تعالى ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا. قال قتادة عند تفسيرها ان اللَّه يعلم القلب النقي و يسمع الصوت الخفى.
و قال بعض السلف قام من الليل فنادى ربه مناداة أسرها عمن كان حاضرا عنده مخافته فقال (يا رب يا رب يا رب فقال اللَّه لبيك لبيك لبيك) (قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) أي ضعف و خار من الكبر (وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) استعارة من اشتعال النار في الحطب أي غلب على سواد الشعر شيبة كما قال ابن دريد في مقصورته.
أما ترى رأسي حاكى لونه* * * طرة صبح تحت أذيال الدجا
و اشتعل المبيض في مسودة* * * مثل اشتعال النار في جمر الغضا
و آض عود اللهو يبسا ذاويا* * * من بعد ما قد كان مجاج الثرى
يذكر ان الضعف قد استحوذ عليه باطنا و ظاهرا و هكذا قال زكريا (عليه السلام) (إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) و قوله (لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) أي ما عودتني فيما اسألك الا الاجابة و كان الباعث له على هذه المسألة انه لما كفل مريم بنت عمران بن ماثان و كان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير أوانها و لا في أوانها و هذه من كرامات الأولياء فعلم أن الرازق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدا و ان كان قد طعن في سنه (هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ) و قوله (وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً) قيل المراد بالموالي العصبة و كأنه خاف من تصرفهم بعده في بنى إسرائيل بما لا يوافق شرع اللَّه و طاعته فسال وجود ولد من صلبه يكون برا تقيا مرضيا و لهذا قال (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ) أي من عندك بحولك و قوتك (وَلِيًّا يَرِثُنِي) أي في النبوة و الحكم في بنى إسرائيل (وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) يعنى كما كان آباؤه و اسلافه من ذرية يعقوب أنبياء فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة و الوحي و ليس المراد هاهنا وراثة المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة و وافقهم ابن جرير هاهنا و حكاه عن ابى صالح من السلف لوجوه. أحدها ما قدمنا عند قوله تعالى وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ أي في النبوة و الملك كما ذكرنا
في الحديث المتفق عليه بين العلماء المروي في الصحاح و المسانيد و السنن و غيرها من طرق عن جماعة من الصحابة ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لا نورث ما تركنا فهو صدقة
فهذا نص على أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يورث و لهذا منع الصديق ان يصرف ما كان يختص به في حياته الى أحد من وراثه الذين لو لا هذا