البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٩ - قصة زكريا و يحيى (عليهما السلام)
النص لصرف اليهم و هم ابنته فاطمة و أزواجه التسع و عمه العباس رضى اللَّه عنهم و احتج عليهم الصديق في منعه إياهم بهذا الحديث و قد وافقه على روايته عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و على بن أبى طالب و العباس بن عبد المطلب و عبد الرحمن بن عوف و طلحة و الزبير و أبو هريرة و آخرون رضى اللَّه عنهم. الثاني ان الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء نحن معاشر الأنبياء لا نورث و صححه. الثالث ان الدنيا كانت احقر عند الأنبياء من أن يكنزوا لها أو يلتفتوا اليها أو يهمهم أمرها حتى يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم فان من لا يصل الى قريب من منازلهم في الزهادة لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولدا يكون وارثا له فيها. الرابع أن زكريا (عليه السلام) كان نجارا يعمل بيده و يأكل من كسبها كما كان داود (عليه السلام) يأكل من كسب يده و الغالب و لا سيما من مثل حال الأنبياء أنه لا يجهد نفسه في العمل اجهادا يستفضل منه ما لا يكون ذخيرة له يخلفه من بعده و هذا أمر بين واضح لكل من تأمله و تدبره و تفهم ان شاء اللَّه.
قال الامام أحمد حدثنا يزيد يعنى ابن هارون أنبأنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أبى رافع عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال كان زكريا نجارا. و هكذا رواه مسلم و ابن ماجة من غير وجه عن حماد بن سلمة به.
و قوله (يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا). و هذا مفسر بقوله (فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) فلما بشر بالولد و تحقق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد و الحالة هذه له (قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) أي كيف يوجد ولد من شيخ كبير قيل كان عمره إذ ذاك سبعا و سبعين سنة و الأشبه و اللَّه أعلم أنه كان أسن من ذلك (وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً) يعنى و قد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقرا لا تلد و اللَّه أعلم. كما قال الخليل (أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) و قالت سارة (يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) و هكذا أجيب زكريا (عليه السلام) قال له الملك الّذي يوحى اليه بأمر ربه (كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) أي هذا سهل يسير عليه (وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً) أي قدرته أوجدتك بعد ان لم تكن شيئا مذكورا أ فلا يوجد منك ولدا و ان كنت شيخا. و قال تعالى فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ وَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَ أَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ يَدْعُونَنا رَغَباً وَ رَهَباً وَ كانُوا لَنا خاشِعِينَ و معنى إصلاح زوجته انها كانت لا تحيض فحاضت. و قيل كان في لسانها شيء أي بذاءة (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) أي علامة على وقت تعلق منى المرأة بهذا الولد المبشر به (قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) يقول علامة ذلك أن يعتريك سكت لا تنطق معه ثلاثة أيام الا رمزا و أنت في ذلك سوى الخلق صحيح المزاج معتدل البنية و أمر