البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٦ - * قصة لقمان
الآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر في مظنة أن يعادى و ينال منه و لكن له العاقبة و لهذا أمره بالصبر على ذلك و معلوم أن عاقبة الصبر الفرج و قوله (إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) التي لا بد منها و لا محيد عنها.
و قوله (وَ لا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) قال ابن عباس و مجاهد و عكرمة و سعيد بن جبير و الضحاك و يزيد بن الأصم و أبو الجوزاء و غير واحد معناه لا تتكبر على الناس و تميل خدك حال كلامك لهم و كلامهم لك على وجه التكبر عليهم و الازدراء لهم. قال أهل اللغة و أصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها فتلتوى رءوسها فشبه به الرجل المتكبر الّذي يميل وجهه إذا كلم الناس أو كلموه على وجه التعظم عليهم قال أبو طالب في شعره
و كنا قديما لا نقر ظلامة* * * إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها
و قال عمرو بن حيي التغلبي
و كنا إذا الجبار صعر خده* * * أقمنا له من ميله فتقوما
و قوله (وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ) ينهاه عن التبختر في المشية على وجه العظمة و الفخر على الناس كما قال تعالى وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا. يعنى لست بسرعة مشيك تقطع البلاد في مشيتك هذه و لست بدقك الأرض برجلك تخرق الأرض بوطئك عليها و لست بتشامخك و تعاظمك و ترفعك تبلغ الجبال طولا فاتئد على نفسك فلست تعدو قدرك. و قد ثبت في الحديث بينما رجل يمشى في برديه يتبختر فيهما إذ خسف اللَّه به الأرض فهو يتجلل فيها الى يوم القيامة و في الحديث الآخر (إياك و إسبال الازار فإنها من المخيلة لا يحبها اللَّه) كما قال في هذه الآية إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ و لما نهاه عن الاختيال في المشي أمره بالقصد فيه فإنه لا بد له أن يمشى فنهاه عن الشر و أمره بالخير فقال و اقصد في مشيك أي لا تتباطأ مفرطا و لا تسرع اسراعا مفرطا و لكن بين ذلك قواما كما قال تعالى وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ثم قال (وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) يعنى إذا تكلمت لا تتكلف رفع صوتك فان أرفع الأصوات و أنكرها صوت الحمير. و قد ثبت في الصحيحين الأمر بالاستعاذة عند سماع صوت الحمير بالليل فإنها رأت شيطانا و لهذا نهى عن رفع الصوت حيث لا حاجة اليه و لا سيما عند العطاس فيستحب خفض الصوت و تخمير الوجه كما ثبت به الحديث من صنيع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فاما رفع الصوت بالأذان و عند الدعاء الى الفئة للقتال و عند الإهلاك و نحو ذلك فذلك مشروع فهذا مما قصه اللَّه تعالى عن لقمان (عليه السلام) في القرآن من الحكم و الوصايا النافعة الجامعة للخير المانعة من الشر و قد وردت آثار كثيرة في أخباره و مواعظه و قد كان له كتاب يؤثر عنه يسمى بحكمة لقمان و نحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء اللَّه تعالى.
قال الامام أحمد حدثنا على بن إسحاق أنبأنا ابن المبارك أنبأنا سفيان أخبرنى نهيك بن يجمع الضبيّ