البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٥ - * قصة لقمان
و المشهور عن الجمهور أنه كان حكيما وليا و لم يكن نبيا و قد ذكره اللَّه تعالى في القرآن فاثنى عليه و حكى من كلامه فيما وعظ به ولده الّذي هو أحب الخلق اليه و هو أشفق الناس عليه فكان من أول ما وعظ به أن قال (يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). فنهاه عنه و حذره منه. و قد
قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللَّه قال لما نزلت الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ شق ذلك على أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إنه ليس بذاك أ لم تسمع الى قول لقمان (يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) رواه مسلم من حديث سليمان بن مهران الأعمش به
ثم اعترض تعالى بالوصية بالوالدين و بيان حقهما على الولد و تأكده و أمر بالإحسان اليهما حتى و لو كانا مشركين و لكن لا يطاعان على الدخول في دينهما الى أن قال مخبرا عن لقمان فيما وعظ به ولده (يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) ينهاه عن ظلم الناس و لو بحبة خردل فان اللَّه يسأل عنها و يحضرها حوزة الحساب و يضعها في الميزان كما قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ و قال تعالى وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَ كَفى بِنا حاسِبِينَ و أخبره أن هذا الظلم لو كان في الحقارة كالخردلة و لو كان في جوف صخرة صماء لا باب لها و لا كوة أو لو كانت ساقطة في شيء من ظلمات الأرض أو السموات في اتساعهما و امتداد أرجائهما لعلم اللَّه مكانها (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) أي علمه دقيق فلا يخفى عليه الذر مما تراءى للنواظر أو توارى كما قال تعالى وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ و قال وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ و قال عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ و قد زعم السدي في خبره عن الصحابة أن المراد بهذه الصخرة الصخرة التي تحت الأرضين السبع و هكذا حكى عن عطية العوفيّ و أبى مالك و الثوري و المنهال بن عمر و غيرهم و في صحة هذا القول من أصله نظر. ثم ان في هذا هو المراد نظر آخر فان هذه الآية نكرة غير معرفة فلو كان المراد بها ما قالوه لقال فتكن في الصخرة و انما المراد فتكن في صخرة أي صخرة كانت كما
قال الامام احمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبى الهيثم عن أبي سعيد الخدريّ عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب و لا كوة لخرج عمله للناس كائنا ما كان
ثم قال (يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ) أي أدها بجميع واجباتها من حدودها و أوقاتها و ركوعها و سجودها و طمأنينتها و خشوعها و ما شرع فيها و اجتنب ما ينهى عنه فيها. ثم قال (وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) أي بجهدك و طاقتك أي ان استطعت باليد فباليد و الا فبلسانك فان لم تستطع فبقلبك ثم أمره بالصبر فقال (وَ اصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ) و ذلك ان