البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٥
بسم اللَّه الرحمن الرحيم؟ فقال عمر حدثنا يا أبا ثور. قال بينا أنا في الجاهلية إذ جهدنى الجوع فأقحمت فرسي في البرية فما أصبت الأبيض النعام، فبينا أنا أسير إذا أنا بشيخ عربي في خيمة، و الى جانبه جارية كأنها شمس طالعة و معه غنيمات له، فقلت له استأسر ثكلتك أمك. فرفع رأسه الى و قال يا فتى ان أردت قرى فانزل و ان أردت معونة اعناك. فقلت له أستأسر فقال:
عرضنا عليك النزل منا تكرما* * * فلم ترعوى جهلا كفعل الاشائم
و جئت ببهتان و زور و دون ما* * * تمنيته بالبيض حز الغلاصم
قال و وثب الى وثبة و هو يقول: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. فكأني مثلت تحته. ثم قال أقتلك أم أخلى عنك؟ قلت بل خل عنى قال فخلى عنى. ثم ان نفسي جاذبتنى بالمعاودة. فقلت استأسر ثكلتك أمك فقال:
ببسم اللَّه و الرحمن فزنا* * * هنالك و الرحيم به قهرنا
و ما تغني جلادة ذي حفاظ* * * إذا يوم لمعركة برزنا
ثم وثب لي وثبة كأنى مثلت تحته. فقال أقتلك أم أخلي عنك؟ قال قلت بل خل عنى. فخلى عنى فانطلقت غير بعيد. ثم قلت في نفسي يا عمرو أ يقهرك هذا الشيخ. و اللَّه للموت خير لك من الحياة، فرجعت اليه فقلت له استأسر ثكلتك أمك. فوثب الىّ وثبة و هو يقول بسم اللَّه الرحمن الرحيم فكأني مثلت تحته، فقال أقتلك أم أخلى عنك؟ قلت بل خل عنى فقال هيهات، يا جارية ائتيني بالمدية فأتته بالمدية فجز ناصيتي و كانت العرب إذا ظفرت برجل فجزت ناصيته استعبدته، فكنت معه أخدمه مدة. ثم انه قال يا عمرو أريد أن تركب معى البرية و ليس بى منك و جل، فانى ببسم اللَّه الرحمن الرحيم لواثق قال فسرنا حتى أتينا واديا أشبا مهولا مغولا. فنادى بأعلى صوته بسم اللَّه الرحمن الرحيم. فلم يبق طير في وكره الإطار. ثم أعاد القول فلم يبق سبع في مربضه إلا هرب، ثم أعاد الصوت فإذا نحن بحبشي قد خرج علينا من الوادي كالنخلة السحوق، فقال لي يا عمرو إذا رأيتنا قد اتحدنا فقل غلبه صاحبي ببسم اللَّه الرحمن الرحيم. قال فلما رأيتهما قد اتحدا قلت غلبه صاحبي باللات و العزى فلم يصنع الشيخ شيئا، فرجع الى و قال قد علمت انك قد خالفت قولي. قلت أجل و لست بعائد، فقال إذا رأيتنا قد اتحدنا فقل غلبه صاحبي ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، فقلت أجل فلما رأيتهما قد اتحدا قلت غلبه صاحبي ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، فاتكأ عليه الشيخ فبعجه بسيفه فاشتق بطنه فاستخرج منه شيئا كهيئة القنديل الأسود ثم قال يا عمرو هذا غشه و غله. ثم قال أ تدرى من تلك الجارية؟ قلت لا، قال تلك الفارعة بنت الليل الجرهميّ من خيار الجن. و هؤلاء أهلها بنو عمها يغزوننى منهم كل عام رجل ينصرني اللَّه عليه ببسم اللَّه الرحمن الرحيم. ثم قال قد رأيت ما كان منى الى الحبشي. و قد غلب على الجوع فائتنى بشيء آكله،