البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٢
من قومي بنى حارثة الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو بالمدينة فدخلنا المسجد فلما رآني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لي: «يا عباس كيف كان إسلامك»؟ فقصصت عليه القصة. قال فسر بذلك و أسلمت أنا و قومي. و رواه الحافظ أبو نعيم في الدلائل من حديث أبى بكر بن أبى عاصم عن عمرو بن عثمان به.
ثم رواه أيضا من طريق الأصمعي حدثني الوصافي عن منصور بن المعتمر عن قبيصة بن عمرو بن إسحاق الخزاعي عن العباس بن مرداس السلمي. قال: أول إسلامي ان مرداسا أبى لما حضرته الوفاة أوصاني بصنم له يقال ضماد فجعلته في بيت و جعلت آتيه كل يوم مرة فلما ظهر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سمعت صوتا مرسلا في جوف الليل راعني فوثبت الى ضماد مستغيثا و إذا بالصوت من جوفه و هو يقول:
قل للقبيلة من سليم كلها* * * هلك الأنيس و عاش أهل المسجد
أودى ضماد و كان يعبد مرة* * * قبل الكتاب الى النبي محمد
ان الّذي ورث النبوة و الهدى* * * بعد ابن مريم من قريش مهتد
قال فكتمته الناس فلما رجع الناس من الأحزاب بينا انا في ابلى بطرف العقيق من ذات عرق راقدا سمعت صوتا و إذا برجل على جناح نعامة و هو يقول: النور الّذي وقع ليلة الثلاثاء مع صاحب الناقة العضباء في ديار اخوان بنى العنقاء، فأجابه هاتف من شماله و هو يقول:
بشر الجن و إبلاسها* * * ان وضعت المطي أحلاسها
و كلأت السماء أحراسها
قال فوثبت مذعورا و علمت ان محمدا مرسل، فركبت فرسي و احتثثت السير حتى انتهيت اليه فبايعته ثم انصرفت الى ضماد فأحرقته بالنار ثم رجعت الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأنشدته شعرا أقول فيه:
لعمرك انى يوم أجعل جاهلا* * * ضمادا لرب العالمين مشاركا
و تركي رسول اللَّه و الأوس حوله* * * أولئك أنصار له ما أولئكا
كتارك سهل الأرض و الحزن يبتغى* * * ليسلك في وعث الأمور المسالكا
فآمنت باللَّه الّذي أنا عبده* * * و خالفت من أمسى يريد المهالكا
و وجهت وجهي نحو مكة قاصدا* * * أبايع نبي الأكرمين المباركا
نبي أتانا بعد عيسى بناطق* * * من الحق فيه الفصل فيه كذلكا
أمين على القرآن أول شافع* * * و أول مبعوث يجيب الملائكا
تلافى عرى الإسلام بعد انتقاضها* * * فاحكمها حتى أقام المناسكا
عنيتك يا خير البرية كلها* * * توسطت في الفرعين و المجد مالكا
و أنت المصفى من قريش إذا سمت* * * على ضمرها تبقى القرون المباركا