تصنيف غرر الحكم و درر الكلم - التميمي الآمدي، عبد الواحد بن محمد - الصفحة ١٩ - مقدمة المحقق
و سناء الحسب و باذخ الشرف مع الفطرة النقية، و النفس المرضية، ما لم يتهيأ لغيره من افذاذ الرجال.»[١]
ان سمو و رفعة المضمون و المعنى في كلمات الامام أخاذة ساحرة، تنتقل بالقارئ لحظة الغور و التعمق فيها الى عالم فكري فريد. بلاغته المعجزة و المدهشة- حيث تصبّ المفاهيم العالية في قالب الكلمات المحدودة- تثير لدى كل كاتب أديب آيات الإعجاب بنهج أداء المضمون الظريف العميق- على أكمل وجه و أروع صورة- من خلال أجمل المفردات، و كأنّه لوحة معبرة عن آفاق بعيدة عن متناول العقل و المعرفة، بل منار يهتدي بتألقه طلاب الحقيقة و عشاق المعرفة.
و من خلال الملاحظة الدقيقة لكلمات المفكر الكبير الشيخ محمّد عبده في مقدّمة شرحه لنهج البلاغة يتضح بجلاء حجم التأثير الهائل، الذي تركه النصّ العلوي على هذا الرجل. و ما سنأتي على نقله عن هذا العالم الكبير ليس ايغالا في المبالغة، بل واقع يرتهن ادراكه بمستوى الرشد العقلي:
«بل كنت كلما انتقلت من موضع الى موضع احس بتغيير المشاهد، فتارة كنت اجدني في عالم تغمره من المعاني ارواح عالية، في حلل من العبارات الزاهية تطوف على النفوس الزاكية. و تدنو من القلوب الصافية: توحي إليها رشادها و تقوم منها مرادها و تنفر بها عن مداحض المزال الى جوار الفضل و الكمال.
و طورا كانت تتكشف لي الجمل عن وجوه باسرة، و انياب كاشرة، و ارواح في اشباح النمور و مخالب النسور، قد تحفزت للوثاب، ثمّ انقضّت للاختلاب فخلبت القلوب عن هواها، و اخذت الخواطر دون رماها، و اغتالت فاسد الأهواء و باطل الآراء.
و احيانا كنت أشهد أن عقلا نورانيا لا يشبه خلقا جسدانيا، فصل عن الموكب الإلهي، و اتصل بالروح الانساني، فخلعه عن غاشيات الطبيعة، و سما به الى الملكوت الأعلى. و نما به الى مشهد النور الأجلى، و سكن به الى عمّار جانب التقديس. بعد استخلاصه من شوائب التلبيس. و آنات كأنّي أسمع خطيب الحكمة ينادي يا علياء الكلمة و أولياء امر الأمة يعرّفهم مواقع الصواب و يبصرهم مواضع الارتياب، و يحذرهم مزالق الاضطراب و يرشدهم الى دقائق السياسة، و يهديهم طريق الكياسة،
[١]- المصدر السابقة، ج ١ ص ٣ من المقدّمة.