شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٧١ - الخطبة السادس و المائة في توحيد اللّه و تنزيهه و إجلاله و تعظيمه
صرّحت به الشريعة تصريحا لا يجوز العدول عنه،و نصوصا لا يحتمل التأويل، و إذا حملنا الكلام على ما وردت به الشريعة فهذا الكلام منه عليه السّلام أفصح ما يوصف به حال القيامة و المعاد.و التعرّض لشرحه يجرى مجرى إيضاح الواضحات.و باللّه التوفيق.
[الفصل الرابع] و منها في ذكر النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم:
قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا وَ صَغَّرَهَا- وَ أَهْوَنَ بِهَا وَ هَوَّنَهَا- وَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ زَوَاهَا عَنْهُ اخْتِيَاراً- وَ بَسَطَهَا لِغَيْرِهِ احْتِقَاراً- فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ- وَ أَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَفْسِهِ- وَ أَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ- لِكَيْلاَ يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً- أَوْ يَرْجُوَ فِيهَا مَقَاماً- بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً- وَ نَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِراً- وَ دَعَا إِلَى الْجَنَّةِ مُبَشِّراً- نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ- وَ مَحَطُّ الرِّسَالَةِ- وَ مُخْتَلَفُ الْمَلاَئِكَةِ- وَ مَعَادِنُ الْعِلْمِ وَ يَنَابِيعُ الْحُكْمِ- نَاصِرُنَا وَ مُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ- وَ عَدُوُّنَا وَ مُبْغِضُنَا يَنْتَظِرُ السَّطْوَةَ
[اللغة]
أقول: الرياش: اللباس .
[المعنى]
و الفصل اقتصاص لحال الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أوصافه الحميدة ليبنى عليها ممادح نفسه بعد.فتحقيره للدنيا و تصغيرها و تهوينها إشارة إلى ما كان يجذب الخلق به عنها من ذكر مذامّها و تعديد معايبها،و إهوانه بها إشارة إلى زهده فيها ،و علمه بإزواء اللّه إيّاها عنه اختيارا إشارة إلى أنّ زهده فيها كان عن علم منه باختيار اللّه له ذلك و تسبّب أسبابه و هو وجه مصلحته ليستعدّ نفسه بذلك لكمال النبوّة و القيام بأعباء الخلافة الأرضيّة و بسطها لغيره احتقارا لها،.و قد عرفت معنى الاختيار من اللّه لخلقه غير مرّة .فكان إعراضه عنها بقلبه إماتة ذكرها عن