شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٧٠ - الخطبة السادس و المائة في توحيد اللّه و تنزيهه و إجلاله و تعظيمه
النواصى بالأقدام إشارة إلى انتكاس رؤسهم عن مطالعة أنوار الحضرة الإلهيّة ، استعارة و إلباسهم سرابيل القطران :استعار لفظ السرابيل للهيئات البدنيّة المتمكّنة من جواهر نفوسهم،و وجه المشابهة اشتمالها عليها و تمكّنها منها كالسربال للبدن، و نسبتها إلى القطران إشارة إلى شدّة استعدادهم للعذاب،و ذلك أنّ اشتغال النار فيما يمسح بالقطران أشدّ ،و نحوه قوله تعالى «سَرٰابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرٰانٍ » ١و كذلك مقطّعات النيران :إشارة إلى تلك الهيئات الّتي تمكّنت من جواهر نفوسهم،و نسبتها إلى النار لكونها ملبوس أهلها فهى منها كما قال تعالى «قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيٰابٌ مِنْ نٰارٍ» ٢و لمّا كان سبب الخروج من النار هو الخروج إلى اللّه من المعاصى بالتوبة،و الرجوع إلى تدبّر الآيات و العبر النوافع.و كان البدن و حواسّه أبواب الخروج إلى اللّه فبعد الموت تغلق تلك الأبواب فلا جرم يبقى الكفّار وراء طبق تلك الأبواب في شدائد حرارة ذلك العذاب ، استعارة و لهب النار و لجبها و أصواتها الهايلة :استعارة لأوصاف النار المحسوسة المستلزمة للهيبة و الخوف حسّا للنار المعقولة الّتي هي في الحقيقة أشدّ-نعوذ باللّه منها-و إنّما عدل إلى المحسوس للغفلة عن صفات تلك النار و عدم تصوّر أكثر الخلق لها إلاّ من هذه الأوصاف المحسوسة ، كناية و كونها لا يظعن مقيمها كناية عن التخليد و ذلك في حقّ الكفّار ، استعارة و لفظ الأسير و الفدية استعارة ،و كذلك لفظ الكبول استعارة لقيود الهيئات البدنيّة المتمكّنة من جواهر نفوس الكفّار فكما لا ينفصم القيد الوثيق من الحديد و لا ينفكّ المكبّل به كذلك النفوس المقيّدة بالهيئات الرديئة البدنيّة عن المشى في بيداء جلال اللّه و عظمته و التنزّه في جنان حظائر قدسه و مقامات أصفيائه ،و لمّا كان الأجل مفارقة البدن لم يكن لهم بعد موتهم أجل،إذ لا أبدان بعد الأبدان و لا خلاص من العذاب للزوم الملكات الرديئة لأعناق نفوسهم،و تمكّنها منها.فهذا ما عساهم يتأوّلونه أو يعبّرون به عن الأسرار الّتي يدّعونها تحت هذه العبارات الواضحة الّتى وردت الشريعة بها.لكنّك قد علمت أنّ العدول إلى هذه التأويلات و أمثالها مبنىّ على امتناع المعاد البدنىّ،و ذلك ممّا
١) ١٤-٥١
٢) ٢٢-٢٠.