شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٦٣ - الخطبة السادس و المائة في توحيد اللّه و تنزيهه و إجلاله و تعظيمه
معنى العشق و نتيجته أنّ المذكورين في معرض الذمّ قد أعشت الدنيا أبصارهم و أمرضت قلوبهم، استعارة بالكناية و استعار لفظ البصر لنور البصيرة ملاحظة لشبه المعقول بالمحسوس، و لفظ العشاء لظلمة الجهل ملاحظة للشبه بالظلمة العارضة للعين بالليل،و إسناد الإعشاء إلى الدنيا يحتمل أن يكون حقيقة لما يستلزمه حبّها من الجهل و الغفلة عن أحوال الآخرة،و يحتمل أن يريد بالبصر حقيقته،و يكون لفظ العشاء مستعارا لعدم استفادتهم بأبصارهم عبرة تصرفهم عن حبّ الدنيا إلى ملاحظة أحوال الآخرة ، و يؤيّده قوله: فهو ينظر بعين غير صحيحة ،و كنّى بعدم صحّتها عمّا يلزم العين غير الصحيحة من عدم الانتفاع بها في تحصيل الفائدة ، استعارة بالكناية و كذلك استعار لفظ المرض للداء الأكبر و هو الجهل استعارة لفظ المحسوس للمعقول ،و قوله: فهو يسمع باذن غير سميعة ،و كنّى بذلك عن عدم إفادتها عبرة من المواعظ و الزواجر الإلهيّة كما سبق ، استعارة و كذلك استعار لفظ التخريق لتفرّق عقله في مهمّات الدنيا و مطالبها.
و وجه الاستعارة أنّ العقل إذا استعمل فيما خلق لأجله من اتّخاذ الزاد ليوم المعاد و اقتباس العلم و الحكمة من تصفّح جزئيّات الدنيا و الاستدلال منها على وجود الصانع و ما ينبغي له و نحو ذلك ممّا هو كماله المستعدّ في الآخرة فإنّه يكون منتظما منتفعا به،و أمّا إن استعمل فيما لا ينبغي من جميع متفرّقات الدنيا و توزيع الهمّة في تحصيل جزئيّاتها و ضبطها حتّى يكون أبدا في الحزن و الأسف على فوات ما فات،و في الخوف من زوال ما يحصل،و في الهمّة و الحرص على جمع ما لم يحصل بعد فإنّه يكون كالثوب المخرّق الّذي لا ينتفع به صاحبه .و نحوه قول الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم:من جعل الدنيا أكبر همّه فرّق اللّه عليه همّه،و جعل فقره بين عينيه.
الحديث،و نسبة ذلك التخريق إلى الشهوات ظاهرة.إذ كان زمام عقله بيد شهوته فهى تفرّقه و تمزّقه على حسب تصرّفاتها و ميولها إلى أنواع المشتهيات ، استعارة و كذلك استعار لفظ الإماتة لقلبه،و وجه المشابهة خروجه عن الانتفاع به الانتفاع الحقيقىّ الباقى كالميّت ،و الضمير في قوله: عليها يعود إلى الدنيا:أى و ولّهت الدنيا على نفسها، كناية-مجازا تسمية للشيء بما هو من غاياته و كنّى بالتولّه عن شدّة المحبّة لها و أطلقه مجازا تسمية للشيء بما هو من غاياته ، استعارة و كذلك