شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٥٩ - الخطبة السادس و المائة في توحيد اللّه و تنزيهه و إجلاله و تعظيمه
أو نبيّ مرسل لا جرم كانت عبادة الملائكة بحسب معارفهم القاصرة عن كنه حقيقته.
فكلّ من كانت معرفته أتمّ كانت عبادة من دونه مستحقرة في جانب عبادته حتّى لو زادت معارفهم به و أمكن اطّلاعهم على كنه حقيقته لزادت عبادتهم و كانت أكمل فاستحقروا ما كانوا فيه و عابوا أنفسهم بقصور الطاعة و العبادة عمّا يستحقّه كماله المطلق، مجاز إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه و عبّر بقلّة الغفلة عن عدمها في حقّهم مجازا إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه.
إذ كان كلّ معدوم قليل و لا ينعكس،و جعل قلّة الغفلة في مقابلة كثرة الطاعة ، و يحتمل أن يريد بقلّة الغفلة قوّة معرفة بعضهم بالنسبة إلى بعض مجازا أيضا إطلاقا لاسم الملزوم على لازمه.إذ كانت قلّة الغفلة مستلزمة لقوّة المعرفة و زيادتها، و قد سبق ذكر أنواع الملائكة السماويّة و غيرهم،و ذكر نكت من أحوالهم في الخطبة الاولى.
الفصل الثاني
:قوله:
سُبْحَانَكَ خَالِقاً وَ مَعْبُوداً- بِحُسْنِ بَلاَئِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ خَلَقْتَ دَاراً- وَ جَعَلْتَ فِيهَا مَأْدُبَةً- مَشْرَباً وَ مَطْعَماً وَ أَزْوَاجاً- وَ خَدَماً وَ قُصُوراً- وَ أَنْهَاراً وَ زُرُوعاً وَ ثِمَاراً- ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا- فَلاَ الدَّاعِيَ أَجَابُوا- وَ لاَ فِيمَا رَغَّبْتَ رَغِبُوا- وَ لاَ إِلَى مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ اشْتَاقُوا- أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةٍ قَدِ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا- وَ اصْطَلَحُوا عَلَى حُبِّهَا- وَ مَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ- وَ أَمْرَضَ قَلْبَهُ- فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ- وَ يَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ- قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ- وَ أَمَاتَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ- وَ وَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ- فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا- وَ لِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا- حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا- وَ حَيْثُمَا أَقْبَلَتْ