شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٥١ - الخطبة السادس و المائة في توحيد اللّه و تنزيهه و إجلاله و تعظيمه
حقيقة فقد بيّنّا أنّه يجوز استعماله مجازا فيها بحسب القرينة و هى هنا إضافته إلى كلّ شيء أو لأنّه في قوّة المتعدّد كقوله تعالى «إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلاٰئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ» ١فكأنّه قال:الملك خاشع له و البشر خاشع له،و هذا الاعتبار يستلزم وصفه تعالى باعتبارين:أحدهما:كونه عظيما،و الثاني:كونه غنيّا:أمّا العظيم فينقسم إلى ما يكبر حاله في النفس و لكن يتصوّر أن يحيط بكماله العقول و يقف على كنه حقيقته،و إلى ما يمكن أن يحيط به بعض العقول و إن فات أكثرها، و هذان القسمان إنّما يطلق عليهما لفظ العظمة بالإضافة،و قياس كلّ إلى ما دونه فيما هو عظيم فيه،و إلى ما لا يتصوّر أن يحيط به العقل أصلا و ذلك هو العظيم المطلق الّذي جاوز حدود العقول أن يقف على صفات كماله و نعوت جلاله،و ليس هو إلاّ اللّه تعالى،و أمّا الغنىّ فسنذكره .
الثاني:قيام كلّ شيء به
.و اعلم أنّ جميع الممكنات إمّا جواهر أو أعراض و ليس شيء منها يقوم بذاته في الوجود:أمّا الأعراض فظاهر لظهور حاجتها إلى المحلّ الجوهرىّ،و أمّا الجواهر فلأنّ قوامها في الوجود إنّما يكون بقيام عللها و تنتهى إلى الفاعل الأوّل جلّت عظمته فهو إذن الفاعل المطلق الّذى به قوام كلّ موجود في الوجود،و إذ ثبت أنّه تعالى غنىّ عن كلّ شيء في كلّ شيء و ثبت أنّ به قوام كلّ شيء ثبت أنّه القيّوم المطلق.إذ مفهوم القيّوم هو القائم بذاته المقيم لغيره فكان هذا الاعتبار مستلزما لهذا الوصف .
الثالث:
مجاز إطلاقا لاسم السبب على المسبّب كونه تعالى غنى كلّ فقير ،و يجب أن يحمل الفقر على ما هو أعمّ من الفقر المتعارف و هو مطلق الحاجة ليعمّ التمجيد كما أنّ الغنى هو سلب مطلق الحاجة،و إذ ثبت أنّ كلّ ممكن فهو مفتقر في طرفيه منته في سلسلة الحاجة إليه، و أنّه تعالى المقيم له في الوجود ثبت أنّه تعالى رافع حاجة كلّ موجود بل كلّ ممكن و هو المراد بكونه غنى له،و أطلق عليه تعالى لفظ الغنى و إن كان الغنى به مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب .
١) ٣٣-٥٦.