شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٤٧ - الخطبة المائة و أربع و سبعون في خطاب الغافلين عمّا يراد بهم من أمر الآخرة
عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلاَّ وَ أَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا
[اللغة]
أقول: السائم: الراعى .و الوبىّ: محلّ الوباء .و الدوىّ: محلّ الداء .
و المدى: جمع مدية،و هي السكين .
[المعنى ]
و الخطاب عامّ.و كونهم غافلين:أى عمّا يراد بهم من أمر الآخرة،و غير مغفول عنهم:أى أنّ أعمالهم محصّلة في اللوح المحفوظ.و تاركين:أى لما امروا به من الطاعة،المأخوذ منهم:أى منتقص من أعمارهم و قيناتهم الدنيويّة من مال و أهل .ثمّ نبّههم على ذهابهم عن اللّه و هو التفاتهم عن طاعته و رغبتهم في غيره و هو الحياة الدنيا و زينتها. تشبيه ثمّ شبّههم في ذلك بالنعم الّتي أراح بها راعيها إلى مرعى كثير الوباء و الداء .و وجه الشبه أنّهم لغفلتهم كالنعم و نفوسهم الأمّارة بالسوء القائدة لهم إلى المعاصى كالراعى القائد إلى المرعى الوبيّ و لذّات الدنيا و مشتهياتها،و كون تلك اللذّات و المشتهيات محلّ الآثام الّتي هي مظنّة الهلاك الاخروىّ و الداء الدويّ تشبه المرعى الوبيّ و المشرب الدوىّ.
تشبيه و قوله : و إنّما هي كالمعلوفة.
تشبيه آخر لهم بمعلوفة النعم،و وجه الشبه أنّهم لعنايتهم بلذّات الدنيا من المطاعم و المشارب كالنعم المعتنى بعلفها،و كون ذلك التلذّذ غايته الموت تشبه غاية المعلوفة و هي الذبح،و كونهم غافلين من غاية الموت و ما يراد بهم يشبه غفلة النعم عن غايتها من الذبح،و كونهم يظنّون أنّ الإحسان إليهم ببسط اللذّات الدنيويّة في بعض الأوقات دائم في جميع أوقاتهم و،أنّ شبعهم في هذه الحياة و ريّهم هو غايتهم الّتي خلقوا لأجلها و تمام أمرهم يشبه غفلة النعم في حال حضور علفها في بعض الأوقات عمّا بعده من الأوقات و توهّمها أنّ ذلك غايتها الّتي خلقت لأجلها،و وجه هذا الشبه مركّب من هذه الوجوه .ثمّ أقسم أنّه لو شاء لأخبر كلّ رجل منهم بمواضع تصرّفاته و حركاته و جميع أحواله.و هو كقول المسيح عليه السّلام: «وَ أُنَبِّئُكُمْ بِمٰا تَأْكُلُونَ وَ مٰا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ» . ١و قد علمت إمكان ذلك
١) ٣-٤٣.