شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٧ - الخطبة الثانية و المائة في أوصاف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم
في يد غيرهم من أعدائهم.و ذلك ظاهر الصدق بانتقالها إلى بنى عبّاس ،ثمّ شرع بعده في التنبيه على الفكر في تحصيل السعادة الباقية و الخير الدائم و على قبول الوعظ و التذكّر فأشار إلى أنّه أبصر الأبصار ما نفذ في الخير طرفه ،و أسمع الأسماع ما وعى التذكير فقبله، استعارة و أراد بطرف البصر العقل و سمعه استعارة ،أو حسّ البصر و السمع على معنى أنّ أفضل إبصار البصر و سماع السمع ما عاد على المبصر و السامع بالفائدة المطلوبة منهما و هي تحصيل الكمالات النفسانيّة من العلوم و الأخلاق ،و لمّا قدّم ذلك أمام مقصوده أيّه بالناس بعده إلى قبول قوله و الاستصباح بنوره، استعارة مرشحة بالكناية و استعار لنفسه لفظ المصباح ،و رشّح بذكر الشعلة و الاستصباح ،و استعار لفظ العين و رشّح بذكر الصفو و الترويق و المتح،و وجه الاستعارة الاولى كونه مقتدى به كالمصباح،و وجه الثانية كون المستفاد منه مادّة الحياة الأبديّة كما أنّ ماء العين مادّة الحياة الدنيويّة و كنّى بترويقها من الكدر عن رسوخه فيما علم بحيث لا يتطرّق إليه فيه شبهة تكدر يقينه،و هو أمر لهم بالاهتداء به و أخذ العلوم و الأخلاق عنه .ثمّ لمّا أمر بأخذهما عنه أردفه بالنهى عن الجهل و الركون إليه ثمّ عن الانقياد للأهواء الباطلة المخرجة عن كرائم الأخلاق إلى رذائلها و عن حقّ المصالح إلى باطلها.
[و قوله:فإنّ النازل بهذا المنزل .]
و قوله: فإنّ النازل بهذا المنزل.
أراد المنزل المشير المدّعى للنصيحة لهم عن جهل منه بوجوه المصالح و ذلك أنّه عليه السّلام كان يرى الرأى الصالح،و يشير عليهم به فإذا خلا بعضهم إلى بعض فما كان من ذلك فيه مشقّة عليهم من جهاد أو مواظبة على عمل شاقّ أشار منافقوهم المبغضون المدّعون لأهليّتهم لمقامه بعكس ما رأى فيه و أشار به ردّ و هم عنه إلى ما يوافق أهوائهم و يلائم طباعهم إفسادا في الدين،و أشار عليه السّلام إلى ما نزّل نفسه منزلة المشير الناصح مع أنّ كلّ ما يشير به عن هوى متّبع و جهل فهو على شفا جرف هار، استعارة و استعار لفظ الجرف للآراء الفاسدة الصادرة فإنّها لم تبن على نظام العقل و لم ترخّص فيه الشريعة فكانت منهارة لا يبنى عليها إلاّ ما كان بصدد أن ينهار،و كأنّ المشير بها واقف على شفا جرف هار منها ينهار به في نار جهنّم أو في الهلاك الحاضر.