شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٠٩ - كلامه الجارى مجرى الخطبة المائة و ثمان و أربعين قبل موته في التأييه بالناس و تنبيههم على لحوق ضرورة الموت طبعا
و الأجل مساق النفس فإنّ مدّة بقائها في هذا البدن هو مساقها إلى غايتها لا محلّ قرارها.
مجازا إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه و قوله : و الهرب منه موافاته.
في غاية اللطف،و ذلك أنّ الفارّ من الموت مثلا بالحركات و العلاجات و نحوها يستلزم حركاته في ذلك فناء الأوقات و تصرّمها و قطع تلك الأوقات مستلزم لملاقاته و موافاته فأطلق لفظ الموافاة على الهرب مجازا إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه.
و قوله : كم أطردت الأيّام.
أى صيّرتها طريدة لي أتّبع بعضها بعضا بالبحث و تعرّف مكنون هذا الأمر:
أى الّذى وقع له من القتل،و ذلك المكنون هو وقته المعيّن بالتفصيل و مكانه فإنّ ذلك ممّا استأثر اللّه تعالى بعلمه كقوله تعالى «إِنَّ اللّٰهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّٰاعَةِ» و قوله «وَ مٰا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ» ١و إن كان قد أخبره الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بكيفيّة قتله مجملا كما روى عنه أنّه قال:ستضرب على هذه-و أشار إلى هامّته-فيخضب منها هذه-و أشار إلى لحيته-.و عنه أنّه قال:أتعلم من أشقى الأوّلين؟قال:نعم عاقر الناقة.فقال له:أتعلم من أشقى الآخرين؟قال:لا.قال:من يضربك هاهنا فيخضب هذه.و أمّا بحثه هو فعن تفصيل الوقت و المكان و نحوهما من القرائن المشخّصه،و ذلك البحث إمّا بالسؤال من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مدّة حياته و كتمانه إيّاه أو بالفحص و التفرّس من قرائن أحواله في سائر أوقاته مع الناس .فأبى اللّه إلاّ أن تخفى عنه تلك الحال.هيهات:أى بعد ذلك العلم فهو علم مخزون .ثمّ شرع في الوصيّة فبدء بالأهمّ فالأهمّ فالأوّل:هو الإخلاص للّه بالإعراض عن كلّ ما سواه، و في ذلك لزوم أوامره و نواهيه و سائر ما نطق به كتابه العزيز.الثاني :لزوم سنّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عدم إهمالها.و إنّما قدّم اسم اللّه على محمّد لما بيّنا أنّ الواجب في علم البيان تقديم الأهمّ. استعارة مرشحة ثمّ أكّد القول في الأمر باتّباع التوحيد المطلق و السنّة النبويّة، و استعار لهما لفظ العمودين و رشّح بذكر الإقامة ،و لفظ المصباحين و رشّح بذكر
١) ٣١-٣٤.