شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٥٩ - و في معنى الحياة و الموت
في الدارين غير مهتد لانتفاع أو دفع تضرّر كالميّت.
الثاني :استعار لفظ البصر للحكمة،و وصف العمياء لعين الجاهل.ثمّ يجوز أن يكون لفظ العين أيضا استعارة في بصيرة الجاهل،و يجوز أن يكون المراد حقيقته، و وجه الاستعارة الاولى:أنّ بالحكمة يبصر الإنسان مقاصده و يهتدى وجوه مصالحه الدنيويّة و الاخرويّة كما يهتدى البصير بعينه وجوه مسالكه و مقاصده،و وجه الثانية:أنّ بصيرة الجاهل لا تهتدى لتلك الوجوه كما لا تهتدى العين العمياء إلى شيء، و وجه الثالثة:أنّ بصر الجاهل تابع لبصيرته فإقدامه و إحجامه و تصرّفاته المنسوبة إلى حسّ البصر و غيره تابعة لما يتصوّره،و لمّا كانت تلك التصرّفات غير نافعة في الأكثر بل قد يكون ضارّة لا جرم أشبهت عينه الباصرة الّتي وقع بها سوء ذلك التصرف العين العمياء فاستعير لها لفظها و كذلك استعار لفظ السمع و لفظ الصّماء للاذن،و وجه الاستعارات ما سبق فإنّ المراد بالسمع إدراك البصيرة.و الاذن يحتمل أن يراد بها البصيرة استعارة،أو الاذن المحسوسة ،و كذلك استعار لفظ الرّى للحكمة،و لفظ الظمآن للجاهل،و وجه الاولى:أنّ الحكمة تملأ النفس و تجدها شفاء لها من داء الجهل كما يملأ الماء جوف الظمآن و ينقع غلّته و يشفى من ألم الظماء،و وجه الثانية:أنّ الجاهل يلحقه ألم الجهل و يكون سببا لموته في الآخرة كما يلحق الظمآن ألم الظمأ .
الثالث:أنّ فيها الغنى كلّه و السلامة،و أراد بالغنى غنى النفس عن كلّ شيء و كمالها بها فإنّ غاية الحكمة الوصول إلى الحقّ سبحانه و الغرق في بحار معرفته و في ذلك غنى العارفين عن كلّ شيء،و أراد بالسلامة سلامة النفوس من عذاب الجهل.إذ ثبت في اصول الحكمة أنّه السبب الأكبر في الهلاك الاخروىّ .
قوله: كتاب اللّه.
خبر مبتدأ:إمّا خبر ثان لذلك،و ما كان بمنزلة الحكمة خبر أوّل،أو لمبتدأ محذوف تقديره و هو كتاب اللّه،و يحتمل أن يكون عطف بيان لما كان بمنزلة الحكمة و ذكر له أوصافا: