هذه فاطمة صلوات الله عليها - الحسني، نبيل - الصفحة ٧٣ - رابعاً وقوفها على القبر النبوي الشريف وتعاهدها بزيارته
عليه وآله وسلم تنطق، فتبادرت النسوان، وخرجت الولائد والولدان، وضج الناس بالبكاء والنحيب وجاء الناس من كل مكان، وأطفئت المصابيح لكيلا تتبين صفحات النساء وخيل إلى النسوان أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قام من قبره، وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم، وهي عليها السلام تنادي وتندب أباه:
«وا أبتاه، وا صفياه، وا محمداه! وا أبا القاسماه، وا ربيع الأرامل واليتامى، من للقبلة والمصلى، ومن لابنتك الوالهة الثكلى».
ثم أقبلت تعثر في أذيالها، وهي لا تبصر شيئا من عبرتها، ومن تواتر دمعتها حتى دنت من قبر أبيها محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلما نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة فقصرت خطاها، ودام نحيبها وبكاها، إلى أن أغمي عليها، فتبادرت النسوان إليها فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتى أفاقت، فلما أفاقت من غشيتها قامت وهي تقول:
«رفعت قوتي، وخانني جلدي، وشمت بي عدوي، والكمد قاتلي، يا أبتاه بقيت والهة وحيدة، وحيرانة فريدة، فقد انخمد صوتي، وانقطع ظهري، وتنغص عيشي، وتكدر دهري، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيسا لوحشتي، ولا رادا لدمعتي ولا معينا لضعفي، فقد فني بعدك محكم التنزيل، ومهبط جبرئيل، ومحل ميكائيل انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب، وتغلقت دوني الأبواب، فأنا للدنيا بعدك قالية وعليك ما ترددت أنفاسي باكية، لا ينفد شوقي إليك، ولا حزني عليك».
ثم نادت:
«يا أبتاه والباه».