رسائل - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٦٣ - النكتة الثانية موارد استعمال لفط «التحريف» وأنواعه
ولا خلاف بين المسلمين في وقوع مثل هذا التحريف في كتاب اللَّه؛ فإنّ كلّ من فسّر القرآن بغير حقيقته، وحمله على غير معناه فقد حرّفه. وترى كثيراً من أهل البدع والمذاهب الفاسدة قد حرّفوا القرآن بتأويلهم آياته على آرائهم وأهوائهم.
وقد ورد المنع عن التحريف بهذا المعنى، وذمّ فاعله في عدّة من الروايات:
منها: رواية الكافي بإسناده عن الباقر عليه السلام، أنّه كتب في رسالته إلى سعد الخير: وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده، فهم يروونه ولايرعونه، والجهّال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية ... [١].
الثاني: النقص أو الزيادة في الحروف أو في الحركات، مع حفظ القرآن وعدم ضياعه وإن لم يكن متميّزاً في الخارج عن غيره.
والتحريف بهذا المعنى واقع في القرآن قطعاً، فقد أثبتنا لك فيما تقدّم عدم تواتر القراءات [٢]، ومعنى هذا أنّ القرآن المنزل إنّما هو مطابق لإحدى القراءات، وأمّا غيرها فهو إمّا زيادة في القرآن، وإمّا نقيصة فيه.
الثالث: النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين، مع التحفّظ على نفس القرآن المنزل.
والتحريف بهذا المعنى قد وقع في صدر الإسلام، وفي زمان الصحابة قطعاً، ويدلّنا على ذلك إجماع المسلمين على أنّ عثمان أحرق جملة من المصاحف، وأمر ولاته بحرق كلّ مصحف غير ما جمعه، وهذا يدلّ على أنّ هذه المصاحف كانت مخالفة لما جمعه، وإلّا لم يكن هناك سبب موجب لإحراقها، وقد ضبط جماعة من العلماء موارد الاختلاف بين المصاحف، منهم: عبداللَّه بن أبي داود السجستاني، وقد سمّى كتابه هذا بكتاب المصاحف.
[١] الكافي ٨: ٥٣، قطعة من ح ١٦، وعنه الوافي ٢٦: ٩٠ قطعة من ح ٢٥٣٧٦.
[٢] البيان في تفسير القرآن: ١٥٩- ١٦٣.