رسائل - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد جواد - الصفحة ١١ - رسالةفي التقية
وفي هذه الكلمات دلالة على لزوم اختيار الصدق وإن كان مضرّاً، ودلالة على أنّ الأمير لم يخف وهو منفرد عن حرب الأعداء وهم جموع، ثمّ قال بعد هذه العبارات: كيف يفسّرون قوله- تعالى-: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَلكُمْ) بأكثركم تقيّة [١]؟
وفيه أوّلًا: أنّ التقيّة ليست بكذب، ولا يصدق عليها تعريف الكذب؛ لأنّ من مقوّمات الكذب: هي المخالفة للواقع، والتقيّة ليست كذلك؛ لأنّها مع تحقّق شرائطها تكون مأموراً بها بالأمر الاضطراري؛ وهو أمر واقعيّ ثانويّ، فالعمل على طبق التقيّة عمل بالحكم الواقعي الثانوي، وإلّا يلزم أن يكون جميع الموارد الاضطراري موجباً للكذب.
وثانياً: أنّ الكذب من مقولة الخبر، والتقيّة ليست بخبر، اللّهمّ إلّافي التقيّة في الأقوال، فتأمّل.
وثالثاً: سلّمنا كونها من مصاديق الكذب، لكنّ المراد من كلام أميرالمؤمنين عليه السلام: هو الضرر الذي لم يبلغ حدّ القتل، ولا يكون هتكاً للعرض، فلو كان الكذب موجباً لحفظ النفس؛ فبما أنّ حفظها أهمّ من قبح الكذب فيرجّح عليه، ومسألة الأهمّ والمهمّ وترجيحه عليه من القواعد العقليّة العقلائيّة التي لا يعتريها ريب.
ورابعاً: أنّ المراد من الأتقى في الآية الشريفة: هي التقيّة من اللَّه- تبارك وتعالى- التي يعبّر عنها في الشريعة بالتقوى التي حثّ عليها الكتاب والسُنّة، وسيأتي [٢] أنّها خارجة عن بحث التقيّة المبحوث عنها في الفقه.
الأمر الثالث: الاستدلال ببعض الروايات التي تدلّ على عدم جواز التقيّة في
[١] روح المعاني ٣: ١٦٤.
[٢] في ص ١٩ و ٢٢.